أبواب - غدير سالم

ينشغل الآباء والأمهات عن إبنائهم بسبب الضغوط الاجتماعية والاقتصادية في كثير من الأحيان، وهو ما قد يؤدي إلى تورطهم في كثير من المشاكل، وهم في مرحلة الطفولة، وفي جرائم متنوعة في مرحلة الشباب.

ويرى خبراء التربية أن الوسيلة الأهم للحيلولة دون وقوع الأبناء في كثير من المشاكل واضطرابات السلوك هو بناء شخصياتهم منذ الطفولة على أساس الحوار وصولا إلى علاقة قوية معهم تجعلهم يلجأون إلى البوح لأحد الوالدين عن مشاعرهم وحاجاتهم داخل وخارج نطاق الأسرة.

تقول التربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسية نجوى حرز الله إن: «كثيراً من مشاكلنا مع أطفالنا سببه عدم وجود طرق مناسبة للحوار، و حتى نصل لهذه الطرق لحلول ترضي الطرفين على الأهل ترك مساحة لأطفالهم للتحدث وعدم الاكتفاء بإعطاء أوامر دون منح أي فرصة للطفل للتعبير عما لديه». وتضيف أنه:«على الأهل التحدث بلغة الطفل، ومشاركته بعض الإهتمامات فهي أكبر وسيلة تجعل الطفل يحس بحب أهله له، ومن هذا الاهتمام معرفة اللعبة التي يفضلهاوقوانينها و معرفة الشخصيات الكرتونية التي يحب مشاهدتها ».

وتدعو الأهل إلى:«إحترام خصوصية الطفل، وعدم إشعاره بأن لديه أسرارا، وأن الأم تحاول معرفتها بأساليب لا يحبذها، فيجب أن نتركه يتحدث بما لديه دون ضغط، وحتى نصل لمرحلة إقناع الطفل بأمر ما على الأم أن يكون مبررها واضحا وعمليا حتى يقتنع الطفل بقيمة الأمر الذي يقوم به، بالإضافة إلى الحوار المستمر معه، وإن كان صغيراً تعلمه وتطور المهارات اللغوية لديه وتجعله واثقا من نفسه فيدرك بأن الحوار ليس ضعفاً بل قوة».

وترى حرز الله أن :«على الأهل تجاهل سلوك الطفل عندما يبدأ بالصراخ، وعندما يهدأ يجب أن يحاوروه حتى يقتنع بأن سلوك الصراخ ليس وسيلة للحوار بل هو الطريقة الوحيدة لديه لإقناع الآخرين».

وتنبه إلى عدم:«جعل الطفل يكذب بسبب خوفه من العقاب والتهديد المستمر، بل جعله يتكلم بصدق من خلال الحوار، فحوارك مع طفلك يجعله يلجأ إليك ليتحدث عن مشاكله بدلا من اللجوء لأصدقاء يجعلون من المشكلة مشاكل كثيرة».

وتقول :«عزز وشجع وادعم واشعر بالفخر والإعتزاز واذكر إيجابيات طفلك، فهذه السلوكيات تجعله طفلا محبا للحوار معك». وتوضح: «جميعنا نعلم أن الطفل كثير الكلام وأحيانا ينزعج الأهل من هذا السلوك، ولكن باتباعنا هذه الأساليب نجعله في فترة الرشد إنسانا نحب الجلوس معه لحديثه الرائع والشيق».

وتشدد:«لا تتجاهل أبداً حديث الطفل بل أعطه كل الأهمية ليعرف بأنه يتحدث شيئا مهما وعند الحديث معه اجعل تواصلك البصري معه، حتى يدرك بأنك تستمع باهتمام وتتفاعل معه، فالحوار مع الطفل يجعله طفلا قادرا على التعبير بسهولة إذا وقع عليه عنف أو تنمر من قبل الآخرين ».

ويقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي إن:«الحوار يتطلب بداية توفر مهارات اتصال فعّالة في الأسرة، وأهم هذه المهارات هي الاستماع والإصغاء، وهذه المهارة للأسف قد تكون غائبة عن كثير من الأسر بسبب محاولة كل طرف فرض رأيه أو سيطرته على الأخر ».

ويضيف :«أحد عوامل غياب الحوار في الأسرة، هو عدم وجود استماع فعّال وإصغاء، والإصغاء يكون حسيا، سمعيا، بصريا، بمعنى أن تكون مستمعا للطرف الآخر بجميع حواسك، وهذا يبدأ منذ أن يكون الطفل في أول عمره، فالأسرة التي تستخدم وسائل الحوار أو لديها لغة اتصال أو استماع مفعلة تبني شخصية طفل قادر على التعامل مع الاشكاليات المحيطة به».

ويرى التميمي أن :«الحوار هو تقبل الرأي والرأي الآخر، وهو أن يستمع لرأيك والإستماع يكون ليس فقط بالاصغاء وتشغيل حاسة السمع، وإنما بكافة الحواس وإظهار الإهتمام والتواصل البصري».

ويوضح أن: «التواصل البصري ولغة الجسد تشكل نسبة 55% من اتصالنا كبشر، بالإضافة إلى نبرة الصوت التي تشكل 38%، يتبقى 7 % للتواصل اللفظي واستخدام الكلام، بالتالي هذه النتيجة تؤكد أننا في أسرنا بشكل عام نتساءل عن سبب غياب الحوار، والسبب هو عدم تفعيل مهارة أساسية بيننا وهي مهارة الإصغاء، فأنت إذا لم تصغ فلن تفهم وجهة نظر الطرف الآخر، والاصغاء يعني تعاطف وتقبل وتفهم لمشاعر وأفكار الطرف الآخر».

ويرى التميمي أنه :«على جميع أفراد الأسرة احترام بعضهم بغض النظر عن مستواهم العمري، وعدم فرض أراء الكبار على الصغار، وهذا يعزز من موضوع الاحترام المتبادل». ويقول إن: «استماع كل طرف للآخر حتى ينهي الرسالة التي يريد أن يوصلها، يقع عاتقه بالدرجة الأولى على الأب والأم ويتم تعزيزه في السنوات الأولى من عمر الطفل فإذا تم تعزيزه في هذه السنوات سيستمر مع الطفل وينتقل ويتعمم إلى بيئات أخرى».

ويضيف :«هذا الدور ينبغي أن يؤسس له الأب والأم، بمعنى أنه إذا تكلم أخوك الكبير يجب أن تستمع إليه حتى ينهي حديثه، وأن لا نفرض رأينا على الآخرين، ولكن ببساطه إذا اختلفت مع الآخر والإختلاف شيء صحي وطبيعي فيجب أن لا يكون الاختلاف بطريقة عدائية، بالإضافة إلى أنني أحترم رأيك ولكن لا أوافقك الرأي، ولكن أحترم وجهة نظرك، فإذا تم تعزيز هذه اللغة ستعزز ثقة الطفل بنفسه وتتعزز مهاراته التواصلية في المنزل والمدرسة، وسيكون شخصا مؤثرا في الآخرين يستطيع أن يوصل وجهة نظره بطريقة فعّالة».

ويتابع التميمي إن: عدم استخدام وسائل الاتصال الفعالة سيغيب الحوار، ويمكن أن يعزز مشاعر الدونية والانسحاب والتجنب والخوف والخجل، لأن الطفل لم يعتد أن يُحترم رأيه ودائماً يتعرض للنقد والسخرية والتنمر من الآخرين وهذا يلغي الحوار.

وينوه التميمي إلى أنه: يجب أن تبدأ لغة الحوار بتعزيز مهارات الإتصال، من خلال الاستماع والإصغاء الفعال، وتقبل الآخر، واحترام كل هذه الأمور يعزز بناء شخصية الطفل بشكل سوي فتتطور مهاراته ويزداد تكيفه الشخصي والإجتماعي مع البيئة الخارجية.

ويشير خبراء التربية إلى أن استخدام الآباء لأسلوبين خاطئين يسبب فشل الحوار مع الأبناء، الأول: أسلوب لا أريد أن أسمع شيئا، والثاني: تقمص أحد الوالدين دور المحقق أو ضابط الشرطة.