أبواب -الدكتور عامر العورتاني أخصائي علم اجتماع

انتشرت شبكة الإنترنت في أرجاء الأرض كافة، وربطت أجزاء العالم المترامية بفضائها الواسع، ومهدت الطريق لكافة المجتمعات للتقارب والتعارف وتبادل الآراء والأفكار والرغبات، حتى غدت أفضل وأسرع وسائل الاتصال بين الأفراد والجماعات، لتظهر المواقع الالكترونية وشبكات المحادثة التي غيرت مضمون وشكل الإعلام الحديث.

وبالعودة إلى ما قبل ثورة الإتصالات وتطبيقاتها فإن الأسرة ظلت تشكل ولعقود طويلة العنصر الأهم في تكوين شخصية الفرد وإكسابه ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه، فهي التي تزوده بالمعلومات والمعارف الضرورية لمواجهة الحياة، أما وقد أصبحت وسائل التواصل الإجتماعي الحديثة تسيطر وبشكل حتميّ على مجريات الحياة اليومية فإنه يمكن القول أنها أصبحت شريكا حقيقيا في تنشئة الفرد، ولا نجانب الصواب إذا ما قلنا إنها تحظى بالدور الأكبر في هذا الشأن، فقد أتاحت هذه الوسائل أنماطا جديدة من التواصل الافتراضي الذي أصبح يشكل بديلا غنيا يمكن ضبطه وفق رغبات الفرد وظروفه الخاصة.

أحدثت الثورة التكنولوجية تغيرا في جوهر العلاقات داخل الأسرة، وأفرزت تفاعلات جديدة بينها ما أدى إلى توسيع الفجوة بين جيلي الآباء والأبناء، وأصبح الفرد معزولا عن أسرته ومحيطه الاجتماعي، ما أثر سلبا على آليات الأسرة في التنشئة الاجتماعية، وديناميكية التفاعل بين أفرادها، ففقد الأبناء مهارات التواصل الإيجابي مع الذات ومع الآخرين، ما أثر على التوافق النفسي والاجتماعي للأسرة.

إن هذه الآليات تدور حول مفهوم التعلم الاجتماعي الذي يعتبر الآلية المركزية في التنشئة الأسرية مهما اختلفت نظرياتها وأساليبها في التنشئة، ومهما تعددت وتنوعت مضامينها في التربية. ومن هذه الآليات الضبط وهو يعني تنظيم سلوك الفرد بما يتفق ويتوافق مع ثقافة المجتمع ومعاييره، فهي عملية نمو يتحول خلالها الفرد من طفل يعتمد على غيره متمركز حول ذاته، إلى فرد ناجح يدرك معنى المسؤولية الاجتماعية بما يتفق مع القيم والمعايير الاجتماعية.

التنشئة الأسرية هي إحدى أساسيات التنشئة الاجتماعية، تتضمن كل سلوك يصدر عن الوالدين أو أحدهما ويؤثر على نمو الطفل وشخصيته سواء كان هذا السلوك بهدف التوجيه والتربية أوغير ذلك، فقد أجمع علماء النفس على اختلاف اتجاهاتهم على أن أساليب التربية التي يتبعها الوالدان في تنشئة أبنائهم لها بالغ الأثر في تشكيل شخصياتهم في المستقبل، وفي نوعية الاضطرابات النفسية التي سيتعرضون لها في مراحل حياتهم المختلفة، فالأسرة هي المصدر الأول الذي يتزود منه الطفل بالغذاء الوجداني الذي يمكنه من بناء اتجاهاته اللازمة للحياة، فهي تقوم بعملية نقل القيم والعادات والتقاليد لتأخذ طريقها إلى الأبناء، والأسرة تشكل البيئة الأولى التي يختبر فيها الطفل التواصل الاجتماعي منذ بداية حياته، مما ينعكس على نموه الاجتماعي لاحقا، لتبقى الأسرة ماثلة كمرجعية يستند الطفل إليها في تقييم سلوكه، مما يجعل الأسرة الجهة المعنية أكثر من غيرها من مؤسسات المجتمع بتنشئة الفرد.

لكننا اليوم لا يمكن أن ننكر أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تشكل جزءا أساسيا من حياة غالبية الأفراد، فقد نجحت تطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة في التعبير عن مكنونات الشباب الداخلية متأثرين بثقافة العصر والانفتاح على الثقافات الأخرى، وهي في ذات الوقت تعتبر أداة في غاية الخطورة بتأثيرها على منظومة القيم والأخلاق إذا ما أسيء استخدامها.

من هنا فإن المساحة المخصصة للأسرة والتي يفترض أن تمارس فيها وظائفها البيولوجية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية اتجاه أفرادها بدأت تتناقص تدريجيا في ظل الحضور الطاغي لوسائل وبرامج التواصل الإجتماعي، ما أنتج تراجعا في دورها كناقلة للقيم والمعايير والمعرفة والثقافة، وانحسار في مرجعيتها كأهم مؤسسة للتنشئة الاجتماعية.

لقد أثرت وسائل التواصل الاجتماعي بحضورها المكثف والمتاح على مدة ونوعية التواصل الذي يتم في نطاق الأسرة، مما ألقى بظلاله على بعض وظائف الأسرة ومن أهمها الوظيفة النفسية والتربوية، فقد نجحت وسائل التواصل الاجتماعي بعزل دور الأسرة جزئيا في بناء شخصية سليمة لأبنائها، كما أنها حدت من دور آليات التنشئة الأسرية في غرس مقومات النجاح والتوافق النفسي والاجتماعي، ما أدى إلى آثار سلبية يمكن تلمسها من خلال ما يعانيه بعض الأبناء من العزلة الاجتماعية، وفقدان الخصوصية، وضعف القدرة على تعدد المهام، إضافة إلى التأثيرات الملموسة على صحة الأبناء الجسمية والنفسية.

وتعتبر مرحلة المراهقة من أهم المراحل التي تؤثر في تنمية إدراك الأبناء لمستوى جودة حياتهم، فهم يمرون في مرحلة نمائية مهمة في حياتهم، من هنا فإن طبيعة نظرتهم لما تقدمه تطبيقات برامج التواصل الإجتماعي وغيرها من خدمات الإنترنت ستؤثر في بناء توقعاتهم المقبلة لحياتهم، وذلك من حيث الدافعية للإنجاز وتحقيق الأهداف الذاتية والموضوعية، حيث أنهم يجدون فيها وسيلة عميقة تسهل لهم الإرتباط بالعالم والتواصل مع مختلف أرجائه وثقافاته دون الحاجة للتنقل.

إن قضاء الأطفال والمراهقين أوقاتا طويلة مع هذه التطبيقات يؤثر على دور الأسرة في نقل ثقافة المجتمع إليهم، وإكسابهم المهارات المختلفة، وتنمية سلوك الأبناء، وتجذير القيم والإتجاهات الإيجابية لديهم، كما يؤثر على دور الأسرة في مراقبة ومتابعة أبنائهم.

إن قضاء الأبناء أوقاتا طويلة للدردشة والتواصل عبر تطبيقات وسائل التواصل الإجتماعي، يجعل منها المكان الأمثل في نظرهم لمشاركة أقرانهم اهتماماتهم ومشكلاتهم، ما يؤدي إلى إقصاء الوالدين واستبعادهم من فكرة الملاذ الآمن الذي يجب اللجوء إليه طلبا للنصح والطمأنينة، فتغدو تلك المساحات الافتراضية عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي عالما يخلو من الحواجز و القيود، ومقصدا للبشر من مختلف الفئات العمرية والإنتماءات الفكرية، ومصبا لشتى الأهداف والغايات التي يسعى رواد هذه التطبيقات إلى تحقيقها من خلالها، ما يجعل أبناءنا عرضة إلى مضايقات المتنمرين، والتحرش أو الإبتزاز الإلكتروني، وهي سلوكيات تهدد أمن الأسرة بإحداث سلوكيات غير مرغوبة، كما أنها تزيد من تباعد المسافة في العلاقات بين أفراد الأسرة، وحرمانهم من التفاعل، الأمر الذي يخل بدور التنشئة الأسرية في تنمية مهارات التواصل والقدرة على التعبير والمناقشة الجادة لدى الأبناء، فيصبحون متلقيين سلبيين للمعلومات والأفكار دون توجيه أو رقابة الأسرة(...).

لا شك أن الأسرة في عصرنا الحالي باتت تواجه الكثير من التحديات في تنشئة أبنائها، وفي المحافظة على كيانها ودورها في المجتمع كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية،ولكن التطور العلمي والتكنولوجي المذهل تصدر المشهد بأدواته التي تفردت بما تقدمه من خدمات وتسهيلات تختصر الوقت والمسافة، ناهيك عن المفهوم الجديد الذي تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي، والذي فرض نفسه كواقع على المجتمعات الإنسانية، عبر أجهزة ذكية تتناغم ومتطلبات العصر الحالي بما تقدمه من خدمات تعليمية وترفيهية متنوعة، وبطريقة تفاعلية، ما جعلها تستهلك الكثير من وقت أفراد الأسرة، مؤثرة بذلك على فرص التقارب والتفاعل فيما بينهم.

ولمواجهة هذا التحدي، لا بد للأسرة من أن تواكب هذه التغيرات، وتعمل في الوقت ذاته على تنشئة أبنائها بالطرق السليمة والحديثة، متحملة مسؤوليتها في توجيه ومراقبة الأبناء، وغرس القيم التي تعزز المراقبة الذاتية لديهم، كما يجب أن تفعل آلية الحوار البناء، والمناقشة الهادفة حول اختيار المضامين والمواد المناسبة، وتحديد ساعات الاستخدام للأبناء، اضاقة إلى استخدام وسائل الحماية من المواقع التي لا تتناسب مع قيم واتجاهات الأسرة الإيجابية، وعم الاكتفاء بمنع الاستخدام، فكل ممنوع مرغوب يثير فضول الأبناء، كما يجب تشجيع الأبناء على ممارسة النشاطات الرياضية، أو الموسيقية،وقراءة الكتب،والتنزه في الطبيعة، وغيرها من الوسائل.

من هنا يبرز العامل الحاسم والمؤثر في تنشئة الأبناء التنشئة السليمة، بتعزيز السلطة الوالدية، وذلك بممارسة الوظائف والأدوار التربوية كاملة، لإيجاد الأسرة التي تسعى جاهدة لغرس القيم والإتجاهات، والتي تعي أهمية دورها كوحدة أساسية في بناء المجتمع، فالأسرة التي نريد، هي تلك التي تعمل على تعزيز التوافق النفسي لأفراد العائلة، وذلك بأن تكون حياتهم النفسية خالية من التوترات والصراعات النفسية التي تقترن بمشاعر الذنب والقلق والنقص، وهي على الجانب الآخر مليئة بالسعادة والرضا عن النفس، ونعبر عن ذلك بأن يكون داخل أبنائنا سلم الداخلي لا صراع داخلي.