الدكتور فؤاد خصاونة كلية الفنون والتصميم في الجامعة الاردنية

كنت قد شاركت العام الفائت بتظاهرة فنية كبيرة على أرض الرياض، ووللإنصاف عند دعوتي للمشاركة لم أكن أدرك حجم وضخامة وقيمة هذه التظاهرة الفنية الكبيرة، فقد تبادر إلى ذهني في البداية أنها مشاركة مغلقة خجولة ذات قيود، والحقيقة الرائعة أنها كانت أحد أهم المشاركات الفنية لي في مجال النحت.

إن معرض المنحوتات «سمبوزيوم »، أقيم بمشاركة مجموعه متميزة من النحاتين السعوديين والعالميين، بتنظيم من مؤسسة (مسك للفنون)، وما تقدمة مسك اليوم على أرض المملكة السعودية من ثوره فنية تستدعي الوقوف عندها والإشادة بها،

ففي الوقت الحاضر نرى نهضة فنية كبيرة في شتى المجالات سواء الفنون البصرية أو السمعية أو الأدائية التي تقدمها مسك بشكل دوري وممنهج على شكل أنشطة دورية بالإضافة الى مهرجانها السنوي الضخم، وهذه الأنشطة لا تقتصر على أرض الرياض بل تتوزع على كامل الأراضي السعودية، وهذا يسجل في إطار التنمية نحو التوجه للأطراف.

والحقيقة بأن ذلك ليس غريبًا لا سيما وان المؤسسة ترى أنه لا بد من الأخذ بيد المبادرات والتشجيع على الإبداع لاستدامة العقل البشري المبدع والاستثمار فيه مما يسهم في تقدم وتطور المملكة وأخذها الموقع الذي تستحق، وهنا يعود اليها الفضل بهذا الانفتاح على العالم بشتى أنواع الفنون ولاسيما فن النحت الذي كان قبل ذلك فناً خجولاً على أرض المملكة.

ومن باب الإنصاف والإشادة هنا أيضًا تمتلك المملكة طاقات ابداعية في مجال النحت منذ وقت بعيد فطريق النحت شقها بشغف مجموعة من النحاتين أمثال المعلم الكبير المرحوم

عبد الله العبد اللطيف،ومن الرواد النحات الكبير على الطخيس صاحب أطول سيرة فنية في مجال النحت في المملكة، والنحات نبيل النجدي، والنحات كمال المعلم الذي يعد من أوائل من أشتغل على سكب المعادن والصهر النحتي في المملكة، والساحة الفنية الان مليئة بالنحاتين الناضجين فكرياً وفنياً كالنحات عصام جميل، والنحات محمد الثقفي، والدكتور فهد الجبرين، والنحات علي الجاسر وغيرهم من النحاتين والقائمة تطول من الأسماء الكبيرة في مجال النحت.

إن توفر الخامات والإرادة ساهم في تطور فن النحت ضمن الحدود التجريدية والرمزية للحفاظ على الإرث الثقافي والقيم الدينية السمحاء، وخلال العشر سنوات الأخيرة كنحات وأكاديمي ومتتبع في مجال النحت قد شهدت أرض المملكة نهضة حقيقية بإنتاج أعداد كبيرة من المنحوتات الفنية التي نقشت وشكلت على أيدي فنانين سعوديين مهرة وضعوا لهم قدما وبصمة فنية نحو العالمية لينافسوا كبار الفنانين العالميين بالتشكيل والمهارة، وهؤلاء الرواد لم يبخلوا على تلامذتهم بالمعرفة والمهارة، فتدرب على أيديهم مجموعة كبيرة من الفنانين الشباب الذين أصبحوا يضاهئون بالمهارة والحرفة والتشكيل.

كل ذلك كان هدفه النهوض في فن النحت في المملكة وأيضًا في الدول المحيطة بها، فلم تقتصر جهودهم على الأشغال الشخصية والأعمال داخل المحترفات، بل زينت أعمالهم الميادين العامة والمؤسسات والشواهد قائمة إلى اليوم في المملكة، وكل ذلك خلق حالة من الوعي الفني لدى الشباب السعودي والذي تتلمذ بعضهم على يد الرواد، وتعلم الآخر في الأكاديميات المختصة حول العالم وساقت الحرفة والإبداع الآخرين نحو تشكيل هوية خاصة لهم بالنحت والأمثلة كثيرة ويعد النحات طلال الطخيس من الفنانين الذين ساهموا في ديمومة النشاط النحتي وتنظيم الملتقيات رغم صغر سنه، والنحات سعيد الزهراني، والنحات رضا العلوي، والنحات علي الحسن، والنحات عبد الهادي الفرحان وغيرهم من الشباب السعودي الطموح والمبدع.

قد أصبحت اليوم المملكة بوصلة للنحت حول العالم ومنارة للنحاتين العالميين وقبلتهم لينثروا الجمال والإبداع على صخور وأخشاب المملكة، ففي اخر ثلاثة أعوام شهدت المملكة أكثر من عشرة ملتقيات نحت عالميه، واستضافة أكثر من١٠٠نحات عالمي له اسمه ومكانته الفنية بالاضافة لإتاحة الفرصة أمام الشباب السعودي المبدع للمشاركة لينتجوا الجمال على أرض الخير والعطاء في المملكة.

لابد ان نعترف بأننا أمام نهضة فنية حقيقية للنحت في الوطن العربي سببها قدرة أهلنا في السعودية على احتضان الفن والفنانين وتقديم الرعاية والاعتراف بأهمية هذا الفن، وهذا الوعي الذي لا يقتصر حدوده عند أهله بل يتجاوزه نحو حالة وعي عام يعيشها الشعب السعودي والمتذوق الفني، وقد عشت ذلك فعليًا أثناء مشاركتي السابقة «بمسك» وأثار شجوني تفاعل الجمهور وتعطشه لتذوق الفنون ولهفته للحصول على الإجابات عن فن النحت والخامات والأدوات، وهذا يشكل دافعا قويا للفنانين والنحاتين لإنتاج أكثر زخم وأفضل نوعية.

اليوم تستمر «مسك» بأن تكون الداعم الرئيسي لإقامة ملتقيات للنحت ويستمر التنظيم الرائع للملتقيات بإدارة مجموعه متميزة من رواد النحت السعودي، وما هي إلا أيام تفصلنا عن انطلاق «سمبوزيوم مسك للنحت» في دورته الثانية مطلقين العنان لمجموعة كبيرة من الفنانين السعوديين والعالميين لإنتاج مجموعة جديدة من المجسمات النحتية لتتزين أرض المملكة.