(بي بي س)

منذ بضعة أسابيع بدأت استخدام تطبيق «دولينغو» لتعليم اللغات. وفي مرحلة ما كنت متمكنا منه تماما. لكن في أحد الأيام، كنت مشغولا للغاية بقدر جعلني أنسى تشغيله.

تكرر ذلك في اليوم التالي مباشرة، ليراودني شعور مفاده «وماذا في ذلك؟ فليذهب هذا الأمر إلى الجحيم». فكرت وقتذاك أن تسلسل مواظبتي على استخدام التطبيق، قد كُسِرَ بالفعل، لذا سمحت لنفسي بأن أتكاسل يوما آخر. فهل يبدو ذلك مألوفا لك؟

نتحدث هنا عن ظاهرة يُطلق عليها اسم «التفكير على شاكلة لم يعد هناك ما يهم، فليذهب كل شيء إلى الجحيم». وينجم هذا الضرب من التفكير -حسبما تقول ماريسا شريف، أستاذ مساعد في إحدى كليات جامعة بنسلفانيا الأميركية- عن إحساس المرء بأنه فشل في المواظبة على أمر ما أو الالتزام به، ما يحدو به إلى أن يمضي في الاتجاه المعاكس، وإلى شوط بعيد كذلك.

وتضرب ماريسا مثالا على ذلك بالقول إن تناولك طعاما مع أصدقائك مثلا؛ ما يجعلك تتجاوز -ولو قليلا- نطاق حمية غذائية تلتزم بها للحفاظ على وزنك، قد يؤدي على الأرجح لجعلك تتخلى عن نظام الحمية برمته، بل وأن تلتهم كميات أكبر بكثير من الطعام، قائلا لنفسك «فليذهب كل شيء إلى الجحيم». يعني ذلك –برأي هذه الباحثة– أن «الناس يرفعون الراية البيضاء في أغلب الأحيان بعد تعرضهم لعَثرة محدودة أو فشل بسيط».

وقد عكفت ماريسا طيلة سنوات عملها البحثي على دراسة كيف نتعامل مع عثراتنا وإخفاقاتنا البسيطة. وأظهرت الدراسات التي أجرتها أن الإخفاقات قصيرة المدى تعرقل محاولات الكثيرين منّا لتحقيق أهدافهم. وتلعب ظاهرة «فليذهب كل شيء إلى الجحيم» هذه دورا لا يستهان به في هذا الصدد، إذ تبين كيف تؤدي أي انتكاسات نُمنى بها إلى التأثير علينا سلبيا بشكل كبير للغاية.

ويتمثل الأمر الإيجابي هنا في أن هناك طريقة من شأنها مساعدتنا على تجاوز هذه العثرات ومواجهة تأثيراتها، عبر تبني أسلوب يمكن أن يمدنا بالقوة اللازمة للبقاء في مسارنا الطبيعي دون الانحراف عنه. بوسعنا أن نُطلق على هذا الأسلوب اسم «هامش احتياطي الطوارئ» أو «هامش المرونة». فبحسب ماريسا، يصبح البشر أكثر قدرة على تجاوز الانتكاسات والتكيف معها، كلما كانوا أكثر مرونة وتسامحا مع أنفسهم.

كيف يمكنك الاستفادة من «هامش المرونة»

دعنا نفترض أنك تريد وضع ميزانية لمصروفاتك. وترغب في تحديد سقف إنفاق لا يتجاوز 1200 دولار، وتسعى في الوقت نفسه لادخار قدر ما من النقود. أمامك هنا خيار إلزام نفسك بصرامة بألا يتجاوز إنفاقك الألف دولار، بأي شكل من الأشكال، آملا في أن تدخر المئتي دولار المتبقية. قد تحقق النجاح في هذه الحالة. لكن المشكلة أن تجاوزك لأي سبب لميزانيتك الصارمة المحددة بـ 1000 دولار، قد يشعل فتيل شعورك بـ «أن لا شيء يهم، وليذهب الأمر كله إلى الجحيم» ما يقودك لإنفاق ما يزيد على الـ 1200 دولار نفسها بكثير.

أما إذا اعتبرت من البداية أن ميزانيتك هي الـ 1200 دولار كاملة، فسينتهي المطاف بك غالبا لإنفاقها بالكامل، دون ادخار سنت واحد.

ثمة خيار ثالث، يتمثل في أن تحدد ميزانية الإنفاق بألف دولار، وتتعامل مع المئتي دولار المتبقية، على أنها تندرج في إطار «هامش احتياطي الطوارئ» أو «هامش المرونة». في هذه الحالة؛ سيؤول بك الأمر إلى إنفاق أموال أقل من تلك التي ستنفقها في الحالتين الأوليين، حتى لو احتجت إلى أن يزيد إنفاقك قليلا على الألف دولار الأصلية لأي سبب من الأسباب. إذ أن من شأن تفكيرك في أن المئتي دولار هذه مخصصة للإنفاق في حالات الطوارئ ليس إلا، جعلك تشعر بالذنب إذا ما امتدت يدك إليها.

بمقدورنا إذا أن نستخلص من المثال السابق، أن إفساحك لنفسك «مساحة للمناورة» عندما تكون بصدد وضع أهدافك، يجعلك تضرب عصفورين بحجر واحد. أول هذين العصفورين، هو استفادتك من حقيقة أن وضع هدف ليس من السهل تحقيقه، يشحذ قدراتك للوصول إليه، أما الثاني فيتمثل في أن وجود «هامش للمناورة» وضعته أنت لنفسك، يحول دون أن تشعر مع أي انتكاسة محتملة، بأن «لا شيء يهم»، ما يجعلك تفقد السيطرة على تصرفاتك، وتمضي في اتجاه معاكس تماما، لمسارك المنشود.

غير أنه يتعين عليك إدراك ضرورة توافر عنصر مهم في «هامش الطوارئ أو المرونة» الذي ستحدده لنفسك، ألا وهو أن تشعر بالذنب إذا لجأت إلى استهلاك ما هو مُدخر فيه، وهو ما تسميه ماريسا «تكلفة نفسية يجب على المرء أن يتكبدها، إذا استخدم الموارد التي يُدرجها في خانة ما هو مخصص لوقت الطوارئ».

وتضيف:» نعرف بالحدس أنه لا يتعين علينا استهلاك احتياطي الطوارئ المُدخر لدينا بالكامل، تحسبا لإمكانية أن يصبح احتياجنا إليه لاحقا أكبر مما هو عليه الآن. لذا ينتهي بنا المطاف في كثير من المرات، إلى الإحجام بشكل كامل عن اللجوء إلى هذا الاحتياطي، إذ يقاوم البشر استهلاكه ما لم يكونوا مضطرين لذلك بحق».

وبجانب المثال الخاص بالنقود والإنفاق، تضرب ماريسا مثالا أخر يرتبط بكيفية تشجيع الناس على تبني سلوك إيجابي وتجاوز العثرات والانتكاسات التي قد تواجههم. ففي إحدى دراساتها، طُلِبَ من أفراد العينة المشي لعدد محدد من الخطوات يوميا. وقُسِّمَ هؤلاء إلى ثلاث مجموعات؛ كان على أولاها تحقيق الهدف المطلوب منها سبعة أيام في الأسبوع، بينما توجب على المجموعة الثانية إنجاز الأمر نفسه لخمسة أيام أسبوعيا فحسب. أما الثالثة التي طُلِبَ منها كذلك الوصول لعدد خطوات معين طيلة أيام الأسبوع، فقد سُمِحَ لأفرادها بـ «هامش مرونة»، تمث? في إمكانية عدم إنجاز هذا الهدف، خلال يومين أسبوعيا، يختارونهما وقتما يرون ذلك ضروريا.

في هذا السياق، تُذَكِّر ماريسا بقاعدة مفادها أنه بالرغم من أن الناس يميلون لبذل جهد أكبر كلما كان الهدف المحدد لهم أكثر صعوبة نظرا لرغبتهم في تحقيقه؛ فإن ذلك لا يخلو من سلبية واضحة، وهي أن احتمالات فشلهم تزيد في هذه الحالة أيضا. وقد انطبقت هذه القاعدة على التجربة السابقة، إذ كان الإخفاق في الوصول إلى معدل الخطوات المطلوب، ولو ليوم واحد لا أكثر، يزيد احتمالات الفشل والتخلي عن المهمة بالكامل، بالنسبة للمجموعة التي حُدِدَ لها الهدف الأصعب، المتمثل في إنجاز ذلك المعدل في كل أيام الأسبوع.

أما المجموعة الثانية، فقد تجسدت فيها قاعدة أخرى تتعلق بعيب تنطوي عليه الأهداف الأكثر سهولة. فرغم أنها تكون–بطبيعة الحال–أيسر في تحقيقها، فإنها تجعل المرء يركن إلى الراحة بمجرد إنجازها، ولا توفر له حافزا كبيرا للمضي إلى شوط أبعد، وتحقيق ما هو أكبر من الأهداف الأصلية المحددة له. حدث هذا بالفعل في المجموعة، التي طُلِبَ منها تحقيق هدف المشي خمسة أيام أسبوعيا، فقد كان من النادر أن يتجاوز أفرادها ما يزيد عما هو مطلوب منهم، إذ اعتبروا أن مهمتهم تنتهي عند هذا الحد، وتجنبوا بذل مجهود أكبر.

ومن هذا المنطلق، تسعى استراتيجية «هامش احتياطي الطوارئ» إلى اغتنام الإيجابيات الكامنة في الأهداف الصعبة والسهلة على حد سواء. ففي الدراسة التي أجرتها ماريسا؛ تبين أن أفراد المجموعة التي مُنِحت يوميْ سماح، كانوا هم من مشوا لمسافات أطول، وحققوا الهدف المطلوب منهم في عدد أيام أكثر، مقارنة بنظرائهم في المجموعتين الأخريين.

البداية الجديدة والتهرب من المسؤولية

ولا تشكل استراتيجية «هامش احتياطي الطوارئ» الأسلوب الوحيد لمساعدة المرء على تجاوز عثراته والتمسك بتحقيق أهدافه. فقد أظهرت الدراسات أننا نتعامل بشكل أفضل مع الانتكاسات، حينما تكون لدينا الفرصة لمحو كل أخطائنا السابقة والبدء من جديد بسجل نظيف تماما.

لعل ذلك هو ما يدفع الناس لاتخاذ ما يُعرف بـ «قرارات السنة الجديدة»، باعتبار أن حلول التواريخ المهمة، يجعل من الأيسر علينا، أن نُلزم أنفسنا بأن نشرع في تنفيذ خطط جديدة. وربما يشكل بدء العام الميلادي الجديد، النموذج الأبرز على هذا الصعيد، لكن هذه القاعدة تنطبق كذلك على «تواريخ أقل أهمية» مثل بدايات الشهور أو الأسابيع. وعلى سبيل المثال، يزيد في الأيام الأولى من كل شهر أو أسبوع، عدد زيارات صالات الألعاب الرياضية، وكثافة عمليات البحث عن مفردة مثل «الحمية الغذائية» على محرك بحث غوغل.

وقد عكفت هنغتشين داي، باحثة بإحدى كليات الإدارة في الولايات المتحدة، على دراسة هذا الموضوع بشكل مكثف. وأظهر بحث أجرته في هذا الشأن أن «التواريخ المهمة» أو «المعالم الزمنية البارزة»، تخلق في الذهن ما يمكن أن نصفه بـ «فترات محاسبية» جديدة، تعطينا الفرصة للانتقال من فترة سابقة شابتها الأخطاء، إلى مرحلة جديدة يُفترض أنها ستخلو منها. كما أن حلول عام أو شهر أو أسبوع جديد، يساعد على تحفيزنا على تبني سلوكيات طموحة.

بالمثل، بمقدورنا اعتبار الأسباب الخارجة عن نطاق سيطرتنا لحدوث أي إخفاقات، فرصة للبدء من جديد دون أن نتحمل مسؤولية هذه الإخفاقات. فإذا كانت صالة الألعاب الرياضية، التي نتردد عليها، ستُغلق بسبب عمليات صيانة طارئة مثلا، فسيعني هذا–بحسب ماريسا–أننا لن نشعر بأي إثم يُذكر إذا توقفنا عن ممارسة التدريبات خلال فترة التوقف، بل ويمكننا أن نعتبر كذلك أن يوم إعادة فتح الصالة أمام الرواد، يشكل فرصة لإعادة «ضبط عداداتنا العقلية، وتشغيلها من نقطة الصفر» توطئة لبدء صفحة جديدة مع الرياضة.

وتوضح ماريسا: «إذا توقفت عن ممارسة الرياضة لسبب خارج عن نطاق سيطرتي، مثل إغلاق صالة الألعاب الرياضية، فسأشعر بضيق أقل من نفسي، وهو ما يزيد فرص مواصلتي الالتزام بالبرنامج الذي وضعته لنفسي في هذا الصدد. أما إذا حدث ذلك لأنني كنت أشعر بالخمول والكسل–وهو سبب يتعلق بي–فسأتوقف» عن مواصلة الالتزام بهذا البرنامج.

ووفقا لهذه الباحثة؛ يمكن أن تفيد فكرة وضع «هامش احتياطي للطوارئ» في مساعدة المرء على التكيف مع العثرات التي يمكن أن يقابلها، ليس فقط وهو بصدد ممارسة الرياضة، وإنما كذلك خلال قيامه بمهام عمل صعبة، أو بمهام مرتبطة–مثلا–بالتعامل مع تطبيق تعليم اللغات، الذي أعاني معه الأمرين.

ففي أماكن العمل، تنصح ماريسا بأن يعتاد المرء تجهيز «هامش الطوارئ» هذا تحسبا لمواجهة أي انتكاسات خلال أدائه مهامه أيا كانت. بطبيعة الحال، تتلاءم بعض المهام مع هذا الأسلوب أكثر من غيرها. فعندما تكون المشكلات التي تعاني منها ناجمة عن تأخر شخص ما مثلا، يصبح بوسعك أن تتنصل من المسؤولية، قائلا بملء فيك «ليس هذا خطأي».

لكن ماريسا تقول إن اللجوء إلى ذلك الأسلوب، ربما يكون ضارا بالمرء، إذا كان سيستخدمه لمواجهة عثرات تواجهه في التعامل مع شيء يدمن القيام به مثل التدخين. فبلورتك لـ «هامش احتياطي للطوارئ» خلال محاولتك تقليل عدد السجائر التي تدخنها يوميا، ربما لن يكون بالأمر المفيد لك ولمساعدتك على تحقيق هذا الهدف بالفعل.

في نهاية المطاف، يمكن القول إنه يتعين عليك ألا تتعامل بقسوة مع نفسك إذا مُنيت بانتكاسة ما، وذلك في ضوء الأدلة العلمية التي تشير إلى أننا نعتبر عثراتنا بمثابة كوارث، في الوقت الذي ينبغي علينا فيه أن نراها مجرد زلات يمكن غفرانها. وفي كل الأحوال، عليك ألا تبتأس كثيرا، فلديك دائما ومع مطلع كل أسبوع، الفرصة لمحو أخطائك القديمة والبدء من جديد في المضي على مسار تحقيق أهدافك المنشودة، بسجل نقي خال من كل شائبة.