د. إبراهيم خليل

الحديثُ عن الرمز في الأدب، عموماً، وفي القصة القصيرة خاصة، حديثٌ ممتع ذو شجون، وشيء لازمٌ لا بد منه ولا غنى عنه. فالقصة القصيرة خلافاً للرواية، وخلافا للمسرحية، تتسع لضروب من الفن، وأشكال متعددة من التعبير الرائق الجميل، من ذلك استخدام الرموز، والاتكاء على مرجعيات ثقافية ودينية وتاريخية وأدبية وأسطورية كثيرة. وهذا ما يقترب بها من القصيدة، ومن فن الشعر عامة، لما فيه من المرجعيات، ذلك لأن الشعراء كثيرا ما يوظفون الأساطير، والشخصيات التاريخية، والرموز التي تحفل بها الذاكرة الشعبية. وذلك كله يتطلب القراءة المن?جِزَة، بتعبير ديريدا، التي لا تخلو من التأمل، والتدبر، والتأويل البسيط السريع العابر أو المكثف المضاعف. وهو تأويل يتوصل عن طريقه القارئ، أو الدارس الناقد، لمدلولات تتوافق، أو لا تتوافق، مع ما أراد الكاتب أن يعنيه في هذا النص، أو ذاك، أو يخيَّل إليه أنه عناه.

جرأة وتجديد

والباحثة د.هنادي سعادة، التي عُرفت في كتابها الأول «الواقع والمتخيل في قصص سعود قبيلات – دراسة في ضوء الأدب السريالي» بتوجُّهاتها الجريئة، الجديدة، رأتْ أن تتناول في كتابها «فنية الرمز ودلالات الخطاب في القصة القصيرة.. مقاربة تأويلية.. القصة القصيرة الأردنية نموذجا» (الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2019)، أعمال خمسة من الكتاب المشاهير: فخري قعوار، ومحمود الريماوي، وجمال أبو حمدان، وهند أبو الشعر، ويوسف ضمرة. فهؤلاء الكتّاب شاعت في أعمالهم الرموز، وتوافر لديهم الاتكاءُ على مرجعيات ثقافية، وتاريخية، وأسطورية، ذا? طابع رمزي، يؤدي إلى إغلاق المعنى تارةً، وإلى تعدّده تارةً أخرى، مما يستدعي، ويستوجب، القراءة التأويلية للخطاب السرْدي، وتفسيره التفسير الذي لا يستغني عن القرائن، ولا عن الاتكاء على السياق الأدبي، والثقافي، لإلقاء الضوء على ما هو غامضٌ، وظليلٌ، من زوايا النص القَصَصي.

أسئلة المعنى

فمن غير الطبيعي -مثلا- أن يكتفي قارئ قصة فخري قعوار «اليوم خمرٌ، وغداً..» أو قصة هند أبو الشعر «الحصان» أو قصة «أبو ذرّ» لجمال أبي حمدان، أو قصة «الحافلة تسير» لمحمود الريماوي، بالقراءة السريعة التي لا تتغيا شيئا غير الاستجابة للتشويق، والاستمتاع بما في القصة من طلاوة السرد ومباهج القصّ. فالقارئ المهتم ملزَمٌ بالإجابة عن أسئلة المعنى، وكسْر قوْقعة الشكل للوصول إلى اللُّب، والانتقال من القِشْرة إلى ما تحتَ القشرة.

ففي هذه القصص -وهي أمثلة قليلة من فيض غزير تناولته الدارسة في الكتاب- يروم الكُتَّابُ التعبيرَ عن أفكار سياسية ذات صلة وثيقة ومتينة بالواقع القائم، على الرغم من أنهم يتجنَّبون الحديث المباشر عنه.

ففي «اليوم خمر» لفخري قعوار، يتحدث الراوي عن الفارس الشُجاع الذي يلجأ للتسويف، والتلكُّؤ، فيتأخَّر، ويحجم عن السعي وراء حقه الذي استلبه منه الآخرون بحدّ السيف. وهذا -بلا ريب- شأنٌ سياسيٌ يكاد يتطابق مع واقعنا الذي نعيشه.

وفي قصة «أبو ذرّ» لجمال أبي حمدان، يواجهُ الرافضُ لهيمنة الطغاة عزوفاً من العامة عن مشاركته الثورة، والسعي لمواجهة المستبدين الفاسدين، بحجة أنهم لا يمتلكون السيوفَ، ولا حتى العصيَّ أو الحجارة. فهو، لذلك، يشعر كثيراً بالخذلان.

وفي قصة «الحصان» لهند أبو الشعر، ترمي الكاتبة لانتقاد عامة الناس الذين لا يعدمون الفرص لمواصلة استمتاعهم بالثرثرة والسجالات العقيمة، وهم يتحلقون حول الحصان الذي يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، لتتقدم إحدى النساء فتحاول إسعافه، فتدبُّ الحياة فيه من جديد.

وفي قصة «الحافلةُ تسير» يرمزُ الكاتبُ المخضرم محمود الريماوي بالسائق لأولئك الذين يتصدّون لقيادة الشعوب وهم يفتقرون لأبسط المؤهّلات وأبسط قواعد اللياقة، كفعل السائق الذي يتطوع لقيادة الحافلة بما فيها من الركّاب، بلا شهادة قيادة، وبلا رؤية واضِحة، فتنقلِبُ قيادَتُه في رمشة عين إلى كارثة.

الرمز في الأدب

هذا الكتاب يقفُ بنا إزاء إشكالية الرمز في الأدب عامة، وفي القصة القصيرة على وجه الخصوص. ويقف بنا أيضاً عند أشكال الدلالة الرمزية، من شخصيةٍ، أو حدث، أو زمان، أو مكان. ولأنَّ الرمز قد يستمد فاعليته الدلالية من مرجعية سياسية، أو ثقافية، أو دينية، أو أسطورية، فقد وقفت بنا الباحثة إزاء هذه المرجعيات التي اتفق ظهورُها في أعمال الكتاب الخمسة، ولأن القصة القصيرة من حيثُ هي قصة، فنٌ سرديٌ، وخطابٌ قصصيٌ، فقد ألحَّت الباحثة على ما يُغني الدراسة، ويُثري البحث، وهو أداءُ الشخوص، ووظائفها، وما يدور بينها من حواراتٍ، تُ?قي الضوء الكاشِفَ على دلالات الرموز، وعلى الزوايا المعتمة، والظليلة فيها، شأنها شأنُ الزمان والمكان.

مِكْنَزُ البحث

ومما ينبغي التنويه إليه، والتنبيه عليه، أن الباحثة الناقدة تضيفُ لهاتيك الفصول فصلاً خامساً تصنِّفُ فيه، وتبوِّبُ، أنماط الدلالة الرمزية في القصص التي تناولتها -وهي كثيرة- فمِنْها النمط السياسي، ومنها الاجتماعي، ومنها الثقافي، والديني، وأخيراً النفسي.

ولأن د.هنادي سعادة تجمعُ إلى جانب درايتها بالتحليل النقدي للقصص، التزامها المطَّرد بقواعد البَحْث العلمي، أمانةً وتوثيقاً، فقد جادتْ على القارئ بمسْرَدٍ من صفحات عدة استوفت فيه المصادر والمراجع التي أفادتْ منها في الكتاب. وهذا المسردُ يحيل كتابها إلى كنز ثمين، ومرْجع نادرٍ ورصين، لا غنى عنه لمن شاءَ البحثَ في أدب القصة القصيرة في الأردن، سواءٌ اختصَّ البحثُ في دراسة النصوص، أو دراسة الأعلام، والشخصيات، أو أيِّ جانب من جوانب القصة القصيرة الأخرى.

هذا الكتاب دراسة جديدةٌ وجريئة، تقدم لنا فيها الدارسة الباحثة لبنةً ثانية في مشروعها النقديّ، وهي لبنةٌ تدْعونا للترحيب بها، متمنّين لها أن تتبوأ الموقع المناسِبَ في حركة النقد الأدبي الحديث.