عمان  -  ناجح حسن

تحدّث صناع أفلام ونقاد حول مفهوم «السينما الإفريقية الجديدة» ضمن منتديات مهرجان «الجونة» السينمائي الآخير، واحتاروا في ايجاد تعريف يليق بهذه السينما، التي تصور وتنجز اشتغالاتها في قارة شاسعة، لافتين في الوقت ذاته إلى أهمية العديد من ابداعاتها الآتية من وقائع صعبة وتعدد عرقي وتنوع في ثقافتها الإنسانية الرحبة.

وأشاروا إلى إن السينما الإفريقية، حققت في العديد من أفلامها قفزات حقيقية، واجهت فيها تحولات الماضي والحاضر، برؤى خصبة مزنّرة بعناصر ومفردات من اللغة السينمائية ذات طبيعة خاصة تتناغم مع التنوع بين ثقافات ودول القارة وبلدان المهجر، بحيث حافظوا على هويتهم الإفريقية بإصرار وإفتتان.

وأظهرت مديرة التسويق والإعلان لمؤسسة سوق الأفلام الأوروبية جانا وولف، حجم الإنتاج السينمائي الذي تنتجه بلدان القارة الافريقية، ووصفته بالمحدود للغاية، خصوصاً وإن دولة أوروبية مثل فرنسا، تنتج سنوياً أزيد من ٣٠٠ فيلماً سينمائياً، أغلبيتها أفلام فرنسية خالصة، والبعض منها موزعة بين إنتاج مشترك مع بلدان متعددة منها إفريقية، لافتة إلى أن هذا الزخم عادة تصنعه الحكومات بسبب دعمها المادي واللوجستي المتواصل لصناعة الأفلام، مبينة أهمية السعي لإيجاد مصادر تمويل بديلة، حال امتنعت الحكومات عن تقديم الدعم لصناعة الأفلام كما يحصل في بلدان إفريقية والعالم الثالث عموماً، وضرورة التعامل مع جميع المشكلات والعقبات والتحديات التي تواجه صناعة الأفلام هن?ك.

وأعتبر المخرج والمنتج المغربي نبيل عيوش، إن القرصنة لا تزال من بين ابرز المشكلات التي تعاني منها صناعة السينما في القارة الافريقية. وان هناك جيل جديد من المخرجين الافارقة بدأ يسير على نهج اولئك الافذاذ من صناع السينما الافريقية الذين حملتهم سنوات عقد سبعينيات القرن الفائت الى الاضواء واحتفت بمنجزهم مهرجانات السينما العالمية الكبرى، لافتا الى ان السينما الافريقية هي جملة من قصص وحكايات الافارقة الا انها ما زالت تعاني من مشكلات متعددة سواء في التمويل أو العرض والتوزيع في اسواق الصالات العالمية.

أما المنتج البرازيلي الياس ربيرو وصف السينما بأنها عمل جريء وشجاع في حد ذاته، واتفق مع نبيل عيوش في مسألة ضعف التمويل، بالرغم من ان السينما تستطيع بحد ذاتها ان تكون اقتصاد قوي يدعم اقتصاد البلدان بصورة عامة، رغم ان صناعة الافلام تختلف بين بلد وآخر مشيرا الى ان السينما في الشمال الافريقي: تونس والجزائر والمغرب هي بخلاف السينما في السودان والصومال، وكذا الامر بالنسبة للسينما في نيجيريا وتشاد وساحل العاج، فما زال غياب التمويل وآلياته يؤثر على كثير من تلك النتاجات.

وتوقف المشاركون في الندوة حول الأساليب الجمالية للفيلم الإفريقي في معاينة موضوعات الحرب والفقر وقسوة الطبيعة، والحضور الآسر والقوي للعديد من ابداعات السينما الافريقية الجديدة كحال الفيلم الإثيوبي (تييزا) للمخرج هايلي جيريما الحائز على الجائزة الكبرى في مهرجان أيام قرطاج في تونس، الذي جاء بمثابة فتح جديد للسينما الإفريقية التي تعثرت مسيرتها جراء تلك التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ظلت تعصف بالقارة، بعد ان استقر الفيلم الافريقي في دائرة من الظل والركود، لافتين الى الدور اللافت الذي لعبه المخرج?السينمائي والروائي السنغالي الراحل عثمان سمبان الذي عدّ من بين أبرز صناع السينما في العالم الثالث عموما وفي القارة الإفريقية على نحو خاص، وهو الذي استطاع أن يقدم إسهامات متعددة في التعبير السينمائي عن قضايا وهموم وماسي وطنه الأصلي السنغال وبلدان القارة الإفريقية في مرحلة دقيقة، وبراعته في سائر أفلامه السينمائية المتنوعة التي يختلط فيها التسجيلي والروائي في عرض مشكلات الإنسان الإفريقي، سواء ما تعلق منها داخل حدود بلده أو في المهجر، وما صورته من علاقات الاضطهاد والتعسف والظلم والاستبداد، الناتجة عن سلوكيات ا?تمييز العنصري والممارسات الاستعمارية، وفهمه للسينما بأنها لغة الصورة كوسيط في تقديم رسالة، يفهمها الأمي والفقير على التوازي مع المتعلم والغني، فضلا عن توظيفه المتين للظروف التي يعيش فيها مجتمعه وارتباط الناس الفقراء هناك، بتلك المفاهيم المستمدة من موروث لحضارة ضاربة في الجذور، كانت تتمظهر في اللغة السينمائية التي تحمل بصمة صانعها المليئة بألوان.

وخلص المتحدثون في الندوة الى بلاغة واقتدار عدد من صانعي السينما الإفريقية بشق طريقهم الى السينما العالمية، حين سلّطوا الضؤ على أنماط مبتكرة في التعاطي مع قصص وحكايات من داخل موروث الثقافة الإفريقية المجبولة بواقع قاس عما يقاسونه من غربة واستغلال، حيث انجزوا اكثر من تحفة بصرية مدهشة مفعمة بخيال خصب لدى تناولهم التجارب التي يعيشها المهاجرون من إفريقيا في بلدان أوروبية، مروراً في اميركا.