كتب - طارق الحميدي

يبدو أن اتفاق النقابات المهنية مع الحكومة فيما يتعلق بنظام ديوان الخدمة المدنية لا ينعكس فقط على تعديل بعض البنود فيه أو تحسين علاوات النقابيين وأوضاعهم المعيشية–على أهميتها-، بل يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات النقابية الحكومية التي لم تكن يوما ما بهذا التجانس.

وتتأرجح العلاقات النقابية الحكومية من وقت لآخر، ومن الصعب وضعها على مقياس محدد، فالعلاقة محكومة بعدد من العوامل والمؤثرات، منها طبيعة المرحلة السياسية والظروف الراهنة، ومنها ما يأخذ أبعادا شخصية تتعلق بشخص الوزير أو النقيب، في حين قد تكون العلاقات محكومة في أحيان أخرى بمطالب نقابية وإمكانية تنفيذها أو تبعا لقرارات قد لا تلقى قبولا عند الهيئات العامة، قبل أن تأخذ العلاقات النقابية منحى ايجابيا وبشكل مفاجئ.

وتجلى الانسجام الحكومي النقابي مؤخرا في تعديلات مسودة بنود نظام الخدمة المدنية، بعد أن أظهر الطرفان تعاونا في مراجعة بنوده، ومرونة في النقاش، وتنازلا في المطالب، وتفهما للمواقف، وشكلت لجنة لمراجعة النظام، استمرت بالعمل لمدة تزيد عن الـ6 شهور.

يشار إلى أن عدد أعضاء مجلس النقباء الحالي خمسة عشر عضوا موزعين على ثلاث عشرة نقابة ورابطة الكتاب وجمعية المحاسبين القانونيين، وعليه و بعيدا عن أزمة نقابة المعلمين، الذين صعدوا مع الحكومة وحققوا مطالبهم–بشكل فردي–وبمعزل عن إجماع مجلس النقباء، إلا أن أربع عشرة نقابة تندرج تحت مظلة مجلس النقباء أكدت على التوافق النقابي–النقابي من جهة، والنقابي–الحكومي من جهة أخرى، وسوف تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون في مجالات أخرى مستقبلا.

وفي البحث عن أسباب التجانس النقابي يبدو أن خطوتين إلى الوراء تحملان سر هذا الانسجام، فتصعيد مجلس النقباء بقيادة رئيسه في ذلك الوقت الدكتور علي العبوس ضد قانون الضريبة، قاد النقابات نحو مرحلة جديدة من التوافق الداخلي، وانتشلها من أزمة عزلتها حين كانت ومنذ بداية الربيع العربي تتعاطى مع الأحداث بشكل فردي ومشتت.

ولم يكن يعرف العبوس أن احتجاجات ضريبة الدخل التي قادتها النقابات المهنية ستشكل بداية عهد جديد في النقابات، ستودع فيه عهداً تراجعت فيه قوتها وحضورها إلى ابعد حد.

رئيس مجلس النقباء الحالي الدكتور زيد الكيلاني يرى أن هذه الحالة غير المسبوقة من الانسجام النقابي انعكست على التعاون الحكومي النقابي مدللا بأنه وخلال الاجتماع الأخير مع رئيس الوزراء حضر كافة طاقم الحكومة باستثناء وزير أو وزيرين وكان اللقاء مطولا وتحدث النقباء فيه عن عدد من القضايا بحضور الطاقم الحكومي.

وبين الكيلاني، الذي تعيش النقابات المهنية خلال فترة ترؤسه افضل اوقاتها، أن الاتفاق مع الحكومة على نظام الخدمة والعلاوات جاء استمرارًا لما تعهدت به النقابات من السعي للارتقاء في المؤسسات العامة وتقديم أفضل خدمة للمراجعين عن طريق تطوير أداء الموظفين وأداء المؤسسات وربطها بالحوافز والعلاوات.

وقال الكيلاني » نحن ندرك كامل الإدراك أن الاستثمار في القوى العاملة لدينا وتأمين الحياة الكريمة لهم ولعائلاتهم هي نقطة البداية لما نطمح إليه، وان كلاً في موقعه ذا أهمية حيث لا تستطيع مؤسساتنا النهوض دون أن يكون هنالك عدل ومساواة بإزالة التشوهات التي تطرقت إليها كثيرا في نظام الخدمة المدنية وتعليماته».

وأضاف أن النقابات وبشراكة مع القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والحكومة عملت منذ ستة أشهر على تعديل هذا النظام للخروج بأفضل ما يمكن وضمن الإمكانيات المتاحة في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة التي نعيشها ويعيشها العالم، مضيفا » إننا في ذلك نعطي أفضل مثال لنتائج التشارك والعمل الموحد عن طريق الحوار وتبادل الخبرات للمصلحة العامة التي تخدم الوطن والمواطنين وسنقوم بالإعلان على ما توصلنا إليه مجتمعين قريبًا».