(1)

كانت قوات قسد «الكردية» تسيطر وبدعم أميركي سياسي ولوجستي وعسكري كبير، على ما يقارب ثلث أراضي الدولة السورية، وبالتالي لم تكن هناك أدنى أمكانية, لإعادة تموضع الجيش العربي السوري في هذه المناطق الشاسعة، ذلك أن الاكراد كانوا متكئين على الحائط الأميركي, ليس بالسيطرة على هذه الأراضي مؤقتا فحسب, بل والرهان على أن تُقتطع بغير حق, كامل مساحة المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا, وبعمق مئات الكيلومترات, و إعلان دولة كردية عليها.. برغم أن الاكراد لا يشكلون أكثر من 15% من سكان تلك المناطق!!. علما بأنه لا يوجد أدنى تشابه بين هذه الاراضي العربية السورية, وإقليم كردستان العراق, ككينونة ديموغرافية وجغرافية كردية في إطار الدولة العراقية.

بل وأن إقدام دمشق في السابق على عملية عسكرية كبيرة لتحرير تلك المناطق, كان سيكلف البلاد الآلاف ممن سيسقطون جراء ذلك من عسكريين ومدنيين، إضافة إلى المزيد من الدمار والذي ربما يطال مشاريع تنموية عملاقة, مثل سد الرقة أو بحيرة الأسد الواقعة وراء ذلك السد العملاق.

بل وأن إقدام الجيش العربي السوري على هكذا عملية محفوفة بالمخاطر, سوف يضع دمشق بمواجهة عسكرية وسياسية غير متكافئة مع الولايات المتحدة. وإنه وفي حال أن أنتصر حلفاء دمشق وهبوا إلى دعمها, فلربما نكون أمام عملية احتكاك خشن, أميركية روسية، وهو الأمر الذي لا يسمح به أحد, بل ولا يمكن الإقدام عليه، لتبعاته الكارثية، والتي ربما تقود إلى حرب عالمية..

(2)

إذن, كان اقتناصا روسيا للحظة المناسبة التي تمثلت بالانسحاب الأميركي المفاجئ والقرار التركي اللاحق له باجتياح مناطق شرق الفرات, وذلك لدحر المليشيات الكردية, بحجة بناء منطقة آمنة تكون ملاذا لملايين اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا. حيث نشطت موسكو باتخاذ موقف تكتيكي لا يخلو من التأييد غير المباشر للعملية التركية, والمتمثل بقولها, أنها تتفهم الاحتياجات الأمنية لتركيا، وبخط مواز الأسراع بأبرام إتفاق بين الأكراد والدولة السورية، باستغلال ذكي للذهول الكردي جراء الخذلان الأميركي لهم والاجتياح التركي الذي يهدد وجودهم.. حيث لم يكن أمامهم إلا الاستجابة السريعة للطرح الروسي، الأمر الذي مهد إلى دخول الجيش العربي السوري إلى مناطق واسعة كان يسيطر عليها الأكراد.

هذا دون أن تراق نقطة دم واحدة، بل وأعتراف كردي عملي غير لفظي, بأنهم جزء من الدولة السورية، دون تلك الشروط التعجيزية التي كان يضعها الأكراد كمقدمة. لأي إتفاق، والتي لو تم القبول بها من دمشق فإنها كانت ستعني حكماً إلى انسلاخ ثلث الأراضي السورية عن الوطن الأم. بل وقيام دولة كردية مصطنعة لا تختلف كثيرا عن قيام إسرائيل.

إن سلاسة وموضوعية هذا الاتفاق السوري الكردي والذي لم تعارضه تركيا عمليا، والذي يتم بضمانة روسية, والذي يحول كذلك دون إمكانية أي اشتباك محتمل بين القوات السورية والقوات التركية الغازية, فإنه بالنهاية يجعل تركيا مطمئنة على أمنها الوطني خصوصا بعد أن يسيطر الجيش العربي السوري على طول الحدود الدولية معها. حينها يكون التعامل بين دولة و دولة، وفق متطلبات القوانين الدولية التي ترتب علاقات الحدود بين الدول المتجاورة، وتحفظ أمنهما معا..

(3)

وكما أرى فان المرحلة اللاحقة والقريبة والتي سيتم الاتفاق عليها بالاجتماع الذي تم بالامس بين الرئيسين بوتين وأردوغان، ستتمثل بتمكين الجيش العربي السوري من الانتشار والسيطرة على كامل الحدود مع «تركيا» من جهة, ومن جهة ثانية ترتيب العلاقة بصورة نهائية بين الدولة و الأكراد، ضمن مفاهيم لا تمس وحدة الدولة السورية أرضاً و شعباً.

وأني ألمح قريبا استكمال انتصار الدولة السورية, حين ينتهي موضوع أدلب سواء باتفاق سلمي يُخرج الإرهابيين كلاً الى بلده التي أتى منها، واستعياب السوريين المتواجدين في إدلب وفق تفاهمات يتم الاعداد لها في إطار اللجنة الدستورية، و في إطار الجمهورية العربية السورية, ولو بطبعة جديدة من شأنها استيعاب المتغيرات التي ترتبت على نتائج الحرب التي شُنت على سوريا طوال الأعوام الثمانية الماضية.

وبعد..

فإن نتائج العملية التركية، تشكل فصلا إيجابيا مهما للدولة السورية وحلفائها كما أنها تخفف من هواجس تركيا الأمنية والتي عليها وقف المكابرة وتحدي المجتمع الدولي والانسحاب وتمكين الجيش السوري من التموضع على كامل الحدود.

وكان لروسيا الدور الأكبر في صياغة الأمور على هذا النحو الايجابي، والتي أثبتت بأنها دولة تصدق تجاه حلفائها ولا تتركهم في العراء.

والله والوطن من وراء القصد