عمان- إبراهيم السواعير



قدّمت المتخصصة في الإدارة الثقافيّة رئيسة جمعيّة تجلّي للموسيقى والفنون رسل الناصر ورقةً لاقت اهتماماً أمس في ملتقى عمان الثقافي قرأت خلالها عدداً من مؤشرات المشهد الثقافي الأردني، وذلك تحت محور واقع الصناعات الثقافية والفنيّة في الأردن. وأكّدت الناصر في مستهل الورقة، التي شاركت بها في ملتقى عمان الثقافي الذي حملت دورته السادسة عشرة عنوان"الاستثمار في الفن والثقافة الأردنية"، بدعوة من وزارة الثقافة، أهميّة السياسات الثقافية والرؤيا والتخطيط الاستراتيجي والديمومة في التنفيذ، والاهتمام بالشأن الثقافي الفني والهوية المحليّة، والدعم المادي من القطاعين العام والخاص، معتبرةً الثقافة أساساً للحضارات عبر التاريخ.

وتحدثت الناصر، التي شاركت بتأسيس العديد من المشاريع الفنية والمساحات الثقافية التي أثبتت وجودها في المشهد الثقافي الأردني ولها حضورها الفاعل في العديد من المهرجانات العربية والعالمية، عن مجتمع يرى أنّ الثقافة والفنون لا أهميّة لها، ويعتبر وجودها أو العمل بها ترفاً، ومجتمع يحرّمها ويراها مسؤولةً عن فساد الأخلاق، وأنّ اتخاذها مهنة يقلل من شأن العاملين بها، كما تطرقت الناصر إلى من يحوّل الثقافة إلى مشاريع مقاولات تجاريّة بحتة، وكلّ ذلك، كما رأت، يشكل خطراً واضحاً على مجتمعاتنا، وعلى فكرة أن يكون لدينا مشروع فكري حضاري.

رسل الناصر التي تعدّ من المؤثرين في المشهد الثقافي الحديث في الأردن ومن أهم الروّاد في صناعة وتعزيز الثقافة المحلية وخصوصًا على مستوى الشباب خارج عمان وفي المدن، رأت أنّ أكبر مشكلة نواجهها تتمثل في أنّ معظم العاملين في الثقافة، وبالتحديد أصحاب القرار في المؤسسات (الخاصة والعامة) الممولة للثقافة والمشاريع الفنيّة، لا يدركون فعلياً أثر الثقافة والفنون على المجتمع، حتى أنّهم قد لا يدركون قيمة ومعنى الثقافة الحقيقية وأثرها الذي يمكن أن تصنعه، مرجّحةً أن العالم كلّه يشترك في هذه النقطة؛ إذ أصبحت كلمة "ثقافة وفنون" مطّاطة، بل ومبهمة، يكثر فيها اللغط والتشوّه.

وقالت الناصر، مؤسِسة ومديرة جمعية تجلّى للموسيقى والفنون، التي تسعى لتطوير علاقة المجتمع بالثقافة والفنون، إنّه، وفي ظلّ هذا الفهم لمعنى وقيمة الثقافة، ومع ما تواجهه المنطقة من تحديات وعلى الأخص في الأردن، إذ نتعرض لحجم هائل من ضغوط وإحباطات يومية، ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية التي تلقي بظلالها على الحياة الاجتماعية، بل تمتد لتشمل معاناة المجاورين من نزاعات وكوارث إنسانيّة وتهجير يومي، .. في ظلّ ذلك يتأثر المرء بما يجعله تائهاً وفاقداً لمعنى وجوده في الحياة. وينعكس ذلك، كما قالت الناصر، على انعدام ملكية الثقافة المحليّة من قبل أهلها وأصحابها وعدم الاستثمار في المدن لجعل ممارسة الفعل الثقافي والفني من قبل أبناء المدينة نفسها، كفعل واضح وليس كفعل متواضع أو خجول، وعلى الرغم من أنّ بعض المدن تتميّز بوجود مراكز ثقافية بحالة ممتازة مثل(معان، إربد، الكرك، الزرقاء)، إلا أنّها تظل غير قادرة على استقطاب الشباب وخلق البيئة المناسبة لهم وتشكيل مساحات ثقافيّة حقيقيّة حاضنة لهم، وفي عدد آخر من هذه المدن هناك بنية تحتيّة متاحة، ولكنّها متواضعة، والبعض منها يتطلب إجراءات معقّدة وموافقات طويلة لاستخدامها من قبل الشباب، علاوةً على حاجتها للصيانة، وخاصةً تلك المساحات التابعة للبلديات على وجه التحديد. ورأت الناصر أنّ عدم الاستثمار في المواطن الأردني وتهميش الثقافة المحليّة والتراث الملموس وغير الملموس وتجاهل ذلك هو من أهم المحاور للتغير، إن لم تكن أهمّها، موضّحةً أنّ الاستثمار المادي في البنية التحتيّة والأدوات والأجهزة يتغلّب بفارق كبير على الاستثمار في الموارد البشرية بسبب غياب التخطيط والبرامج المستدامة وارتفاع كلفة استخدامها وتشغيلها، وهو ما جعل مفهوم الثقافة في المجتمعات المحليّة غير حاضر، ويأخذ منحى معقداً ومحدوداً، حتى لدى أغلب العاملين في هذا المجال.

وأضافت الناصر: وما بين التحريم والرفض لأسباب دينية أو اجتماعيّة محافظة، وبين تجاهل أو تهميش رسمي، يبرز مشهد بمسمى ثقافي لا علاقة له بمفهوم الثقافة والفن، مشهد لحفلات ترفيهية تشوّه الهوية المحليّة، وتصل بالمتلقي إلى عدم تقبّل الآخر تحت اسم الثقافة. وهو بمنظورهم، كما قالت، ليس له ارتباط مباشر بحياتهم وموروثهم، وقد أدّى ذلك إلى عزوف الشباب عن العمل الثقافي نتيجة قلّة الخبرة وغياب السبل لتطويره، وانتشار ثقافة عدم الجدوى مادياً واعتبارياً في المجتمع، ما سبب غياب القيمة الفنيّة الحقيقية للفنان المحلي وعدم قدرته على تطوير محتواه، مما يجعل منه فناناً غير مُحَدث المحتوى، وبالتالي يتم تجنّبه. وتحدثت الناصر عن موضوع عدم الربط بين السياحة والثقافة والفنون الملحيّة وقلّة استغلال المواقع السياحية كمساحات لإقامة الفعاليات والمهرجانات، والتي من هدفها تعريف السياح على الهوية المحليّة، إذ أدى ذلك إلى استخدام المحافظات والمواقع السياحية من قبل شركات الإنتاج الفني كمواقع تصوير، وذلك منذ أكثر من عقدين، لترويج هذه المواقع السياحية من خلال أعمال تفتقد للحس الإنساني وتخلو من الروح مثل(صور صامتة).

ورأت الناصر أنّ المحتوى الفني التراثي المحلي الأصيل مندثر وغير حاضر، وبحاجة إلى تحديث وإعادة صياغة بشكل معاصر ومدروس، بالرغم من وجود محاولات متواضعة وغير مؤثرة، يجب دعمها وتطويرها ثمّ تعميمها، مما أدى إلى غياب الفعاليات والمهرجانات الفنية والثقافية "ذات القيمة والمحتوى" في المدن، وتكريس صورة نمطية عن الفنون الشعبيّة، ما أسهم في خلق عمر افتراضي للمشاريع والفرق الفنية القابلة للاستدامة، فهناك تاريخ انتهاء صلاحية للمشروع الفني الأردني، لعدم وجود فرص للتطوّر والاستدامة بسبب توجّه القطاع الخاص فقط لجلب الفنانين غير المحليين بأرقام عالية مقارنة بالدعم المقدم للفنان المحلي، وهو ما يوجب على الدولة التركيز على القطاع الخاص بأن يقوم بتمويل القطاع الثقافي المحلي، وذلك بترغيبه بالطرق التي تراها مناسبة.

وقالت إننا بحاجة لمناصرة حملة تتبنى إعادة صياغة مفهوم وقيمة الثقافة والفنون وتوضيح مرادهما، ففي هذا الوقت الصعب ورغم المعيقات الرسمية وغير الرسمية، عملنا كمؤسسة وأفراد على مشاريع فنيّة سواء أكان العمل فيها مع جمهور الشارع أو الجمهور النخبوي، وقد استطعنا أن نلمس وبشكل غير مباشر، أثر التغيير وتقبّل الناس للفنون رغم اختلاف مشاربهم وبيئاتهم الاجتماعيّة وخلفياتهم الفكريّة. ورأت الناصر أنّ المطلوب في هذا الوقت تحديداً هو وجود إطار مدروس واضح ومباشر ومدعوم من القوى الاجتماعيّة وأصحاب القرار في القطاعين العام والخاص.