أبواب - ندى شحادة

«دباغة الجلود» في فلسطين، حكاية بدأ أصلها في مدينة الخليل قبل أكثر من مئة عام، ومع مرور السنوات أصبحت إحدى الصناعات القديمة ذات القيمة الاقتصادية الكبيرة لأهالي المدينة، ورغم المعيقات التي تعترض أصحابها إلا أن أهلها ما يزالون يبدون تمسكهم بها ويحافظون عليها، لتبقى مهنة تراثية قديمة تسابق الحداثة وتأبى الاندثار.

تعد دباغة الجلود من الصناعات القديمة في مدينة الخليل، فهي المصدر الأساسي لأصحاب المهنة للحصول على المواد الخام للمصنوعات الجلدية متنوعة الاستخدام وخصوصا الأحذية.

يبين صاحب أحد مشاغل الدباغة محمد الزعتري أن: «الدباغة هي تحويل جلود الحيوانات كجلود الماشية والأبقار من مواد عضوية قابلة للتحلل إلى مواد غير قابلة للتحلل تمتاز بالمرونة والمتانة».

ويذكر أن: «الدباغة تمر بمراحل عدة تبدأ بغسل الجلد جيدا، وإزالة الشوائب والدهون منه، ومن ثم معادلته وتهيئته للدباغة».

ويلفت إلى أن: «الأحذية المصنوعة من الجلود تمتاز بالمتانة والجودة العالية، وعدم انبعاث الروائح منها، وتكون مريحة للقدم، ويمكن أن تستخدم لسنوات أطول مقارنة مع الأحذية الأخرى ذات المواد الرديئة».

تحديات وعوائق

وتواجه الدباغة في الخليل تحديات عديدة تتمثل في منافسة البضائع الزهيدة والعراقيل التي تضعها سلطات الاحتلال أمام أصحاب الورش ومصانع الأحذية.

ويقول الزعتري: «يتعرض قطاع دباغة الجلود إلى صعوبات عدة تتمثل في فرض اسرائيل القيود على استيراد بعض المواد الكيميائية التي تستخدم في معالجة الجلود تحت إدعاء أنها مواد خطرة».

ويطالب أصحـــاب المشاغــــل: «بضـــــرورة وضــــع قــــــيود وضوابط لحماية المنتج الوطني، فإغراق السوق بالمنتجات والبضائع الأجنبية ذات الجودة المتدنية، والأسعار الزهيدة، خلق حالة من الركود في صناعة الأحذية، وأدى إلى إغلاق عدد من ورش ومعامل صناعة الأحذية».

ويقول الحاج أبو عمر الجعبري وهو صاحب مشغل للأحذية الجلدية: «تعترضنا صعوبات من قبل الاحتلال خاصة في صناعة الجلود، ولكننا نسعى دوما للتغلب عليها والتصدي لها من خلال إغراق السوق المحلي بصناعتنا والتصدير للأسواق العربية والعالمية، ومجابهة الغزو الصيني بجودة منتجاتنا».

استخدامات الدباغة

تعد صناعة الأحذية في الخليل من أهم الصناعات الوطنية وأقدمها، ومع مرور الأعوام استطاعت أن تفرض نفسها كصناعة تتميز بجودة عالية وتصدر إلى العديد من البلدان العربية والأجنبية.

وبحسب بيانات الغرفة التجارية في مدينة الخليل فإن عدد المعامل المصنعة للأحذية في المدينة يبلغ حوالي 480 معملا.

يقول فضل النتشة، وهو مدير عام شركة معروفة بصناعة الأحذيـــة في الخليـــل: «ورثـــنا مهنة صناعة الأحذية عن جدنا الحاج سلمان النتشة، والذي بدأ بصناعة الأحذية عام 1940 بمشغل صغير داخل البلدة القديمة في مدينة الخليل، وبإصرار وعزيمة قرر آباؤنا أن يكملوا مسيرة جدنا حتى أصبحنا كأحفاد نعمل يدا بيد وجنبا إلى جنب مع آبائنا لصناعة أحذية عالية الجودة تباع بأفضل الأسعار ». ويتابع: «في عام 1989 حوّلنا مشغلنا الذي بدأ بعشرين عاملا إلى مصنع كبير يعمل فيه أكثر من مئة عامل، ونطمح في المستقبل إلى توظيف مزيد من الشباب للحد من البطالة في المجتمع الفلسطيني».

ويبين النتشة أن: «صناعتنا للأحذية لم تعد تغطي حاجة السوق الفلسطيني فقط، وإنما أصبحنا نصدرها إلى البلدان العربية كالأردن والسعودية والبلدان الأجنبية كـ فرنسا وأميركا».

ويأمل بأن: «تصل أحذيتنا إلى جميع المستهلكين، فنحن نعمل جاهدين على توفير أحذية طبية تمتاز بالمرونة وتجمع بين راحة القدم وجودة الجلود».

مراحل عديدة

ووفـــقا لمـــا يقولـــه الجعبـــري فـــإنه: «تحـــتاج صــــناعة الأحذية إلى دقة وإبداع،فهي تمر بعدة مراحل، وتبدأ بالتصميم وقص الجلود بالشكل المطلوب، ومن ثم يكون الإطار الخارجي، وتطلى وتركب وتكبس إلى أن تغلف وتصبح جاهزة للتسويق والعرض».

ويقول المواطن الفلسطيني إبراهيم العشي: «أنا وعائلتي لا نشتري سوى الأحذية المصنوعة في مدينة الخليل، فهي تتميز بالمتانة واختلاف الموديلات والأنواع، كما أنها يمكن أن تصمد لعدة أعوام، بالإضافة إلى أن أسعارها معقولة وتتناسب مع أصحاب ذوي الدخل المتوسط».

وتوضح العشرينية لبـــنى بـــدر أنـــها: «تخـــتار التـــصميم واللون الذي يعجبها، وتطلب من إحدى الورش في مدينة الخليل أن تنفذها بالشكل والتصميم الذي تريده».