ابواب- وليد سليمان

كان سيل عمان قديماً في قاع وسط البلد، يمثل شريان الحياة التجارية والزراعية والسكانية، فمعظم أهالي وسكان عمّان منذ نهاية القرن (19) وبعد تلك الفترة وحتى أربعينيات القرن الماضي كانوا يقطنون على ضفتي السيل، حيث الماء شريان الحياة لكل الناس.

ومن أحد الذين سكنوا ووُلدوا في تلك المنطقة قرب سيل أو «نهر عمان» كما كان يُسمى قديماً هو «عبد الفتاح المعاني–ابو خليل» وذلك مع بداية العام 1948.

ومما تحدث به أبو خليل إلى «أبواب - $»: ولدتُ في منزل العائلة الذي كان خلف - سينما الحمراء التي لم تكن موجودة في ذلك الزمن- وقرب سوق الخضار القديم.

وعندما أصبح عمري نحو أربع أو خمس سنوات أرسلتني والدتي إلى مدارس الكتاتيب مثل: كُتّاب أم سامي قرب منزلنا، ثم إلى كُتّاب أم إبراهيم عند أول مدخل وادي سرور القريب كذلك.

ثم أخذني أبي بعد ذلك للدراسة عند شيخ من معلمي الكتاتيب وهو الشيخ سليم الكيالي، والذي كان يقع منزله الذي يدرس فيه الطلاب خلف المسجد الحسيني في شارع البتراء في عمان، وكل ذلك كان قبل بلوغي سن السابعة؛ كي أتقن القراءة والكتابة والحساب الى حد ما، أو لتهيئتي للدخول الرسمي في الصف الأول الابتدائي في المدارس الحكومية الأردنية.

وفي الصف الأول الابتدائي التحقت بالمدرسة الشهيرة آنذاك «المدرسة العسبلية» والتي تغير اسمها فيما بعد إلى «مدرسة بدر»، وكانت تقع «العسبلية» في مواجهة المدرج الروماني ولا تبعد عنه سوى «50» مترا تقريباً, وكان مديرها في الفترة التي درست فيها الابتدائية مديرا شهيرا بحزمه وقيافة ملابسه، وهو «سليمان العطور» الذي كان يرتدي بدلات بيضاء اللون وطربوشا أحمر في غالبية الأحيان.. واذكر من المعلمين الذين علموني فيها: مدرس الرياضيات عبد الفتاح تليستان، ومعلم مادة اللغة العربية الأستاذ رشيد.

العودة من المدرسة للبيت

وعند عودتنا بعد انتهاء الدوام المدرسي إلى منطقة جسر الحمام حيث منازلنا المتفرقة والقريبة من بعضها، كان لا بُد لنا من المرور بمحاذاة سيل عمان، حيث نمرُّ من فوقه بواسطة جسر صغير كان يُسمى بجسر سحويل، نسبة الى مصنع كازوز «مشروبات سحويل الغازية» وكان يقع بالقرب من هذا الجسر، وفي عمان مصنع آخر للمشروبات الغازية «الكازوز» المعبأ بالزجاجات» لشركة كازوز فونتانا وسينالكو، في آخر شارع الهاشمي مقابل مجمع رغدان السياحي الآن.

وكنا نمرُّ أيضاً بطريق عودتنا من المدرسة بالبساتين الشاسعة التي تحيط بمجرى سيل عمان, حيث الكثير من مزورعات الخضار وأشجار الفاكهة مثل الرمان والتوت والتين, وكان معظم المارة يلتقطون حبات التوت والتين لأكلها دون اعتراض من أصحاب تلك البساتين!.

ومن تلك البساتين بستان طماش الشركسي، ويقابله البيت التراثي الجميل للحلبوني، وفي تلك المنطقة أيضا كناً نلاحظ الحوامات «برك طبيعية للسباحة» لمن يجيد السباحة ومناطق أخرى مائية على جانبي السيل حيث تتكاثر فيها الأسماك الصغيرة، فيقوم البعض باصطيادها بشبكات صيد بدائية أشبه بالمنخل، عدا عن وجود نبعات ماء عذب على جانبي السيل، يأتي الناس إليها ليملأوا أوعيتهم بماء الشرب للاستعمال المنزلي، وكذلك تتواجد أحيانا بعض الحيوانات الأليفة التي يقوم أصحابها بسقايتها من مجاري النبعات التي تصب في ماء السيل.

في محيط المنزل

ولأن موقع بيت ابو خليل المعاني يحيط به العديد من الأماكن مثل:جسر الحمام وسوق الخضار وشارع البتراء وسوق اليمنية فقد حدثنا عن بعض أسماء العائلات والمحلات التي كانت تتواجد في هذه المنطقة مثل: عائلة الديرانية، الشربجي وزعيمهم ابو صلاح الشربجي، حسونة، السمكري، البطيخي، محمد نور، العربي، الملاح، الأسْود، وعائلات شركسية وشامية ونابلسية الأصل.

وكان في محيط- حمَّام النصر الذي انتقل إلى مكان آخر قريب- منزل الشيخ والقاضي «حمزة العربي» المدرس الخاص لجلالة الملك الحسين والعائلة الملكية، وكان والد عبدالفتاح المعاني هو السائق الخاص في القصور الملكية لبعض الأمراء والأميرات.

لقد كان والد عبد الفتاح يُوصل بسيارته الشيخ حمزة للقصور كي يُدرِّس بعض الأمراء الصغار في السن، ثم يرجعه الى منزله في هذه المنطقة.

أمَّا الشيخ والأديب والمحامي «نديم الملاح» فقد كان منزله خلف حمام النصر.

ومن المحلات التي كانت في تلك المنطقة: مخبز خيرو شموط، ومخبز ابو نعيم قرب بنك الأردن الآن على سقف السيل.. وكان الناس في عمان بالخمسينيات يعتمدون على ربة المنزل التي تعجن في المنزل وترسل عجينها للفرن لخبزِهِ لقاء أجرة نقدية أو عينية من الأرغفة نفسها, ولم يكن هناك في السوق مكان لبيع الخبز، بل إذا احتاج احدهم للخبز فإنه يقترضه من جيرانه ريثما يتم إرجاع أرغفة أخرى لهم في يوم آخر عندما يخبزون عجينهم في الفرن في وقت لاحق.

وفيما بعد من السنين تم افتتاح مكان صغير في شارعٍ فرعي قرب سوق اليمانية، وهو عبارة عن بسطات تُعرض فيها الأرغفة للبيع لمن يريد بعد أن تواجدت بعض الأفران الخاصة لذلك في عمان.

محلات ودكاكين

ومن الدكاكين والمحلات الخدمية التي يتذكرها المعاني في تلك المنطقة: دكان أبو العبد في الشارع القصير شارع جسر الحمام، حيث كانت تتواجد لديه كل أغراض ومستلزمات البيوت الغذائية وغيرها بالجملة والمفرق.

وفي نفس الشارع تواجد صالونان شهيران للحلاقة هما: صالون سميح وأنور، والصالون الملوكي لصاحبه يوري إسر، وحمام النصر الذي كان يخصص فيه أيام للرجال وأيام أخرى للنساء، ومرات على فترات صباحية ومسائية.

وبالقرب من الحمام الشعبي هذا تواجد سوق الخضار الكبير الذي يؤمه كل سكان عمان، ومن تحته كان يتواجد سوق للكرشات يسمى سوق السقط.

ومقابل سوق الخضار جهة جبل الجوفة وشارع الطلياني أي عند مدخل وادي سرور، كانت تتواجد مقبرة للمسلمين على سفح هذا الوادي الصاعد نحو الأشرفية ومبنى الأمومة والطفولة.

سوق الحلال والانتيكا

وفي محيط منطقة أخرى من سيل عمان، تقع بجانب سوق الخضار، مساحات شاسعة على الجانبين، فقد تواجدت العديد من فعاليات البيع والشراء لتقديم الخدمات بطريقة بدائية وشعبية بسيطة، وتواجد هناك قرب ماء السيل باعة الماشية من أغنام وأبقار وإبل.

ثم بجانب ذلك قليلاً وعلى الأرض العارية كان البعض يعمل معرشات لبيع البطيخ دون وزن! وأعواد القصب الجاف لصنع سلال القصب، أو لاستعمالها في تجهيز أسقف البيوت الطينية.

وكنت ترى قديماً الحلاقين الشعبيين الذين يحملون حقيبة الحلاقة ليجلس الشخص على حجر او تنكة كي يحلق بأجرة زهيدة لا تتجاوز قرشين !.

وبجانب سوق الخضار القريب من هذه المساحات الترابية والحصى كانت تتواجد المئات من قطع الأثاث المستعمل والأنتيكا، وبعض المطاعم الصغيرة لتقديم وجبات الحمص والفول فقط.

وبجانب السيل من جهة شارع الملك طلال كانت تتواجد بعض المحلات منها: مصبغة للخيوط والصوف لصنع البُسط لصاحبها ابو فهد الشربجي, ومحلات عديدة للحدادة والسمكرة لصناعة الأدوات المنزلية.

وفي الجهة المقابلة للمصبغة كانت وما زالت تتواجد الكنيسة الأرثوذكسية، التي تقع بين منطقة السيل وشارع الطلياني، التي ساهم بإنشائها جريس تادرس تاجر الحبوب المعروف، وبالقرب منها ما زال يرقد «المستشفى الايطالي» في شارع الطلياني أول مستشفى في عمان وأُنشئ في العام 1926.

ذكريات وأماكن اخرى

وفي حديث المعاني معلومات أخرى سردها علينا من ذاكرته حول هذه المنطقة المحيطة بسيل عمان وسط البلد:

كان الأولاد والبنات يلعبون عدة ألعاب شعبية مثل: لعبة نط الحبل’ والسبع حجار, والاستغماية, وكرة الشرايط ما بين البيوت والمساحات الترابية الشاسعة،

وفي ذلك الزمن- في الأربعينيات والخمسينيات- كان يأتي رجل يحمل آلة عجيبة اسمها «صندوق العجب» ليتفرج الأولاد من خلال فتحة فيه على مناظر ومشاهد جميلة لقاء قرش أو نصف قرش.. مع مرور باعة الترمس والعنبر والاسكيمو والبوظة والنواعم.

وأكبر نبع ماء صافٍ كانت تقع بموازاة سوق الخبز جهة سفح جبل الجوفة، ففي الصباح الباكر كان باعة الخضار يغسلون خضارهم, وبالذات الورقية كالفجل والبصل الأخضر عند هذه النبعة.. وكان السَقَّاءون يملأون قربهم و«تنكات» الماء ويحملونها على أكتافهم أو حميرهم لتوصيلها الى بعض البيوت لقاء ثمن زهيد كالنقود أو البيض أو الخبز.

سينما البتراء كانت في هذه المنطقة ما بين السيل وشارع الملك طلال، وكانت تعرض أفلاما أجنبية وعربية أكثرها من بطولة: فريد الاطرش، ومحمد عبدالوهاب، وفريد شوقي، ورشدي أباظة وغيرهم.. وكانت أول وأفخم دار سينما في عمان قديماً، وأنشئت في ثلاثينيات القرن الماضي، وبجانبها أفخم مقهى في عمان وهو مقهى المنشية التِحتا.

أنهى أو خليل المعاني دراسته الثانوية في العام 1968 وذلك من مدرسة الأقصى الخاصة, التي أسسها سابقاً الشاعر والنائب المعروف يوسف العظم في بداية ستينيات القرن الماضي في جبل اللويبدة.