يمتلك رفاق السلاح لغة مشتركة تقوم على الذكريات العميقة التي تجمع أبناء الجيش في لحظات تظهر التآلف والتآزر والإيثار في أسمى تجلياتها، وجلالة الملك ليس بعيداً عن أجواء الجيش العربي، ولمعة عينيه وهو يرتدي الزي العسكري تدلل أن صدره ينطوي على حنين عميق لتجربته في الخدمة العسكرية التي سردها بلغة عاطفية مليئة بالفخر والاعتزاز في مذكراته.

لم يكن الملك يخفي اهتمامه بالأوضاع المعيشية للمتقاعدين العسكريين خلال الفترة الأخيرة على الرغم من الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ومعرفته بتفاصيل ربما لا يعرفها المتقاعدون المدنيون، فالحياة العسكرية تستهلك الفرد نفسياً وجسدياً بمعدل يفوق ما تفعله في المدني، والمتقاعد العسكري في كثير من الحالات يخرج من الخدمة وأمامه مسؤوليات كثيرة تتعلق بأبناء في مرحلة الطفولة أو المراهقة، وهو ما لا يعانيه المتقاعد المدني على أية حال الذي يذهب غالباً للتقاعد بعد أن أنجز العديد من المشروعات في حياته، والشكوى التي تناقلها المتقاعدون العسكريون كانت مفهومة بالنسبة للملك كجندي في الجيش العربي قبل أن يكون القائد الأعلى للقوات المسلحة.

تنطوي الزيادة الأخيرة، والتي اقرها مجلس الوزراء امس، على قدر من التضحية لا يمكن أن يجحده الأردنيون تجاه المتقاعدين من جيشهم العربي، فالأردنيون الذين يتطلعون اليوم إلى بطولات الجنود الساهرين على أمن حدودنا الشرقية والشمالية والذين وقفوا في وجه انكفاء التنظيمات الإرهابية للداخل الأردني لا ينسون أيضاً أبطالاً وقفوا كل في موقعه في الظروف الصعبة مستعدين لتقديم حياتهم فداء للوطن وأبنائه، ولذلك لم يتناس القرار أبناء المتقاعدين المتوفين في رسالة لأبنائهم بأن خيارات الآباء لم تلحق بهم الظلم، وأن المتقاعدين العسكريين بما قدموه مكانهم في سويداء القلب من الوطن وقائده.

الفهم الملكي العميق لظروف المتقاعدين العسكريين ترجمته توجيهاته في إحداث العدالة بينهم تجاه تحسين ظروفهم المعيشية بأفضل ما يمكن ضمن الظروف الراهنة على المستوى الاقتصادي، ولم تكن الزيادة مجرد رفع للعتب ولكنها خلاصة دراسة لمستويات الدخل التي يوفرها التقاعد العسكري، ولذلك أتت زيادة الرقيب أعلى من زيادة اللواء في تطبيق عملي لمفهوم العدالة على الحكومة ومختلف المؤسسات دراسته بعناية وهي تتخذ هذه القرارات سواء في جانب الحقوق أو الواجبات.

السيرة العسكرية للملك اشتملت مهاماً حقيقية في العديد من المواقع، فلم يكن الراحل الكبير الحسين ليقبل فيما يتعلق بالجيش العربي إلا مبدأ الاستحقاق الواضح الذي لا يخالطه أي التباس، وتبدت في مذكرات الملك عبد الله الثاني مواقف كثيرة أظهرت حرصه على الموازنة بين الجندي الإنسان وبين التقاليد العسكرية الصارمة، والزيادة الأخيرة التي سعى الملك لوضعها للمساهمة في تحمل جانب من أعباء الحياة عن كاهل المتقاعدين العسكريين تدلل على أنه قلبه ما زال نابضاً بمحبة رفاق السلاح وما زال ذهنه منشغلاً بهمومهم ومتاعبهم، فالقيادة بالنسبة لجلالته حياة كاملة بماضيها وحاضرها ومستقبلها.