بيروت - ا ف ب

أقرّ مجلس الوزراء امس خطة إنقاذية للأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد ودفعت اللبنانيين للخروج إلى الشارع بشكل غير مسبوق، في خطوة لم يأخذها المتظاهرون على محمل الجد معتبرين اياها محاولة «لذر الرماد في العيون».

وفي وسط بيروت كما في مناطق عدة في البلاد، بدا أن الاصلاحات «الجذرية» المتخذة لم تشف غليل المتظاهرين المتمسكين بمطلب رحيل الطبقة السياسية، في وقت ترك رئيس الحكومة سعد الحريري لهم حرية الخيار مؤكداً أن القرارات لا تهدف إلى «مقايضتهم» على ترك الشارع.

وأعلن الحريري الذي كان قد منح شركاءه في الحكومة مهلة 72 ساعة للمضي بخطة إنقاذية، إثر اجتماع لمجلس الوزراء، الموافقة على هذه الاصلاحات عبر اقرار موازنة العام المقبل واتخاذ اجراءات أخرى من خارجها.

وأقرّ الحريري أن هذه القرارات قد لا ترضي المتظاهرين، واكد أنها «ليست متخذة للمقايضة» على خروجهم من الشارع، مخاطباً إياهم بالقول «أنتم من تتخذون هذا القرار ولا أحد يعطيكم المهلة».

وتتضمن القرارات سلسلة اجراءات أبرزها خفض العجز في موازنة 2020 إلى 0,6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، والالتزام بعدم فرض أي ضرائب جديدة أو إضافية على الناس. كما تنص على مساهمة القطاع المصرفي ومصرف لبنان بخفض العجز في لبنان، وخفض 50 في المئة من رواتب الرؤساء والنواب والوزراء الحاليين والسابقين.

وما أن أنهى الحريري كلمته التي تابعها المتظاهرون في وسط بيروت، حتى بدأوا بالهتاف «ثورة، ثورة» و«الشعب يريد إسقاط النظام».

وقالت شانتال (40 عاماً) «هذه الاجراءات كذبة، كلها كذب» متسائلة «ما الذي يضمن لنا أن هذه الاجراءات ستتحقق غداً؟».

وأضافت «إنها ذرّ للرماد في العيون، فهم عاجزون عن قيادة البلد».

وبينما كان يجلس مع رفاقه حول طاولة بلاستيكية وسط الساحة للعب الورق، قال الطالب بيتر صايغ (16 عاماً) «ما فعله ليس صحيحاً لأن الشعب كله في الشوارع ويحاول إسقاط الحكومة الفاسدة».

واعتبر أن «أول خطأ ارتكبه الحريري أنه لم يستقل».

وفي محاولة لمجاراة المتظاهرين الناقمين على الطبقة السياسية بأكملها والمطالبين برحيلها، قال الحريري إنه يدعم مطلبهم باجراء انتخابات نيابية مبكرة.

وفي أول تعليق له منذ بدء التظاهرات، قال الرئيس ميشال عون في مستهل جلسة الحكومة إن «ما يجري في الشارع يعبّر عن وجع الناس، ولكن تعميم الفساد على الجميع فيه ظلم كبير» مقترحاً اعتماد «رفع السرية المصرفية عن حسابات كل من يتولى مسؤولية وزارية حاضراً أو مستقبلاً».

وأبقت المصارف والجامعات والمدارس أبوابها مقفلة امس، غداة تظاهرات كبرى شهدها وسط بيروت ومدن عدة من شمال البلاد حتى جنوبها، تخللها احتفالات وهتافات مطالبة برحيل الطبقة السياسية بأكملها.

وفي وقت سابق امس، قال روني الأسعد (32 عاماً) وهو موظف وناشط بانفعالفي وسط بيروت «اليوم مصيري بالنسبة إلينا (..) ولا يخرجني من الشارع إلا استقالة الحكومة أولاً ومن ثم الدعوة إلى انتخابات مبكرة، أو تشكيل حكومة انتقالية مع مشاركة ممثلين عن الشعب فيها، على غرار ما جرى في السودان».

وكانت الحكومة في الأسابيع الأخيرة تدرس فرض ضرائب جديدة تطال بمجملها جيوب الفقراء ومحدودي الدخل، عوضاً عن وقف الهدر في بعض القطاعات واصلاحات قطاعات تكلف خزينة الدولة أموالاً طائلة.

وشكل سعيها لفرض رسم مالي على الاتصالات المجانية عبر تطبيقات الهاتف الخلوي الشرارة التي أطلقت هذه التحركات الغاضبة، إذ لم يعد بإمكان المواطنين تحمل غلاء المعيشة والبطالة وسوء الخدمات العامة.

وتكمن أهمية القرارات المتخذة وفق ما قال الخبير الاقتصادي غازي وزني في كونها «لا تفرض رسوماً أو ضرائب على المواطنين ولا تطال موظفي القطاع العام». كما أنها تتضمن التزامات تعهد بها لبنان امام مؤتمر سيدر، لا سيما ما يتعلق بالاتفاق على آلية لاصلاح قطاع الكهرباء وخفض عجز الموازنة والنفقات العامة.

وتعهدت الحكومة العام الماضي أمام المجتمع الدولي بتخفيض النفقات العامة وبمشاريع اصلاحية مقابل حصولها على قروض وهبات بقيمة 11,6 مليار دولار أقرها مؤتمر سيدر. إلا أن تباين وجهات النظر إزاء تطبيق هذه المشاريع والخلاف على الحصص والتعيينات داخل الحكومة التي لا يحظى فيها الحريري بأكثرية، حالت دون وفاء الحكومة بالتزاماتها.

وقال وزني «نعتبر أن ما تمّ اقراره ورقة اصلاحية مختلفة عن كل ما سبقها وجذريّة، تلبي مطالب وكالات التصنيف والجهات المانحة وصندوق النقد الدولي».

ومع تأخر الحكومة في الايفاء بتعهداتها هذه وتأخر حصولها على المال، حذرت وكالة «موديز» من أنها قد تخفّض التصنيف الائتماني للبنان خلال الأشهر الثلاثة المقبلة «إذا لم يتبلور مسار الأمور باتجاه إيجابي».

وخفضت وكالة «فيتش» في 23 آب تصنيف لبنان درجة واحدة من «بي سلبي» إلى «سي سي سي» بينما أبقت وكالة «ستاندارد أند بورز» تصنيف لبنان كما هو «بي سلبي/بي»، مرجحة استمرار تراجع ثقة المستثمرين ما لم تتمكن الحكومة من «تطبيق اصلاحات بنيوية لتقليل العجز في الموازنة وتحسين النشاط التجاري».

وبدت التحركات الشعبية منذ الخميس غير مسبوقة ولم تستثن منطقة أو طائفة أو زعيم. وطالت هتافاتها وتصريحات المشاركين فيها الزعماء كافة وكسرت هيبة أحاطت بالقوى السياسية التي وجدت نفسها مضطرة لسماع صخب الشارع واتهامات قاسية بالسرقة والفساد والنهب.

ويصف أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الأميركية عماد سلامة التحركات في الشارع بأنها «بركان يصعب احتواؤه بحلول آنية»، مؤكداً أنه «من الصعب أن يكسب المتظاهرون ثقة الدولة بـ 72 ساعة وبحلول تُقدم على الورق».

ويقول «دخلنا اليوم مرحلة أزمة نظام (..) وأي عملية إنقاذية لا تراعي اشراك فئات اجتماعية واسعة في الحكم غير تلك الحاكمة اليوم هي محاولة تقطيع مراحل ولن تصل الى أي مكان».