قد يكون من الصعب جدا على أي شعب أن يتخلى عن همومه، وإشكالاته، وبخاصة الحياتية منها، ويوجه اهتماماته إلى قضية شعب آخر، مهما كان ذلك الشعب قريبا. غير أن الأمر يكون مختلفا بخصوص ما حدث في لبنان مؤخرا، فقد كان الدرس بليغا ومؤثرا، ويمكن التعلم منه على مختلف الصعد الرسمية والشعبية.

فمن حيث المبدأ، وقبل الدخول في تفاصيل المشهد وكيفية الاستفادة مما حدث هناك، يبدو التوقف إجباريا عند المسألة الديمقراطية، التي كانت السبب في ظهور نموذج احتجاجي فريد، وعلى درجة عالية من النضج، تفردت بها الساحة اللبنانية دون غيرها من الدول بما فيها المتقدمة. فلم تكن هناك أية خطوط حمراء حول المطالب، ولكن بانضباطية عالية، وبدون أي تخريب أو اعتداء على المرافق العامة المنهكة أصلا.

فعلى صعيد التحليلات التي رافقت الحركة الاحتجاجية، كانت هناك خشية كبيرة من أن تتحول التركيبة الطائفية التي يقوم عليها نظام الحكم اللبناني لغما برسم الانفجار في مثل تلك الأجواء، إلا أن ما حدث كشف عن نضج ديمقراطي بلغ حد استنكار تلك التركيبة، والمطالبة بالخروج عنها، ومن ثم التصرف ضمن أوعية ديمقراطية صرفة تجرّم الطائفية، وتؤسس لحالة جديدة أملا بالخروج عن إطارها.

وفي التفاصيل جاء التعبير الشعبي ناضجا، مريحا، وعامل ضغط على الطبقة السياسية بأكملها، للقبول بإجراءات جراحية أكد المحتجون أنه لا بد من اتخاذها ليس للخروج من الأزمة فقط، وإنما للبدء بمعالجة الورم المستعصي من جذوره.

فالحراك الاحتجاجي أخذ شكل الاحتفالية، ولفت انتباه العالم كله بتعدديته، وبألوانه الزاهية التي غطت كل المتطلبات، وتعاملت مع كل أنواع وأصناف المعاناة الشعبية. وفي المسار الموازي، تبنت كل المقترحات التي من شأنها الأخذ بيد الاقتصاد الوطني للخروج من محنته، حتى وإن كان ذلك على حساب الاقتصادات الموازية التي تشكل ظاهرة لبنانية بامتياز. حيث يمتلك كل تنظيم أو حزب اقتصادا موازيا، وحيث تحولت تلك الاقتصادات بمجملها إلى «مستوطنات سوس» تنخر في جسد الدولة.

هنا، ومع القناعة بوجود اختلافات أساسية بين الساحتين الأردنية واللبنانية، فلا يمكن إغفال بعض القواسم المشتركة بين الساحتين. وبالتالي لا بد من تعظيم عناصر الفائدة مما حدث هناك، بدءا بإعادة النظر بالبناء الديمقراطي، الذي نحن بأمس الحاجة إلى مراجعته، لكي يكون الركن الأهم من أركان المنعة لمواجهة أي طارئ، وتجاوز أي خلل من تلك التي بتنا نتلمّسها في ساحتنا بين الحين والآخر. ولعل في تفاصيل التجربة اللبنانية ما يعزز القناعة بأهمية ذلك البناء.

وفي سياق مواز، لا بد من محاربة الفساد، والتهرب الضريبي، ووضع حد لمظاهر تبادل المصالح، والتنفيعات الشللية، وغيرها من عناصر «الاقتصاد الموازي» فمثل تلك الممارسات التي هزت لبنان، كلها أمراض نعاني منها، وتصم الحكومات آذانها عن سماع أصوات المنادين بضربها.. فهل نتعلم؟

Ahmad.h.alhusban@gmail.com