في غياب مبدأ تداول السلطة برلمانيا وانتفاء تشكيل الوزارة الحزبية ذات البرامج المدروسة مسبقاً وتحضير وزراء المعارضة في حكومة الظل لهذه الغاية المحددة، كتبتُ ذات يوم بعيد (15/7/1984) مقالاً حرّك حينها بعض الماء الآسن بعنوان ((كيف يختارون الوزراء؟)) وتصادف بعد اقل من عام ان تم اختياري لموقع المسؤولية الصحية فلم أكن استثناءً للقواعد التقليدية التي اشرت لها في المقال! ثم وجدت نفسي أخوض التجربة الحلوة المرة لاخرج منها بعد خلافات غير متكافئة، مجهداً لكن غير محبط، فأواصل التعبير بصراحة وبالاسماء احياناً عن مشاكل عانيتُ منها وعقباتٍ حالت دون نجاح المساعي التي بذلتها للارتقاء بمجمل النظام الصحي في الاردن فكتبتُ في 5/6/1991 مقالاً اثار جدلاً واسعاً بعنوان ((الوزراء السابقون لماذا لا ينطقون؟!)) لم اقصد به الغمز من جانبهم أو ادعاء الحكمة بأثر رجعي بل استنهاض هممهم للبوح بما في صدورهم من آمال لم تتحقق بدل الاستكانة للصمت طلباً للرضى او تجنباً للغضب! كما قصدت ان استثير فيهم الشجاعة لعرض خبراتهم وتجاربهم على حقيقتها ففي ذاك خدمة كبيرة للوطن ومسيرته، وأجدني اليوم كأضعف الايمان أتابع الرسالة بأن ألمس جانباً من اهمية العلاقة بين المسؤول الحالي وزملائه المسؤولين السابقين بالتواصل المباشر وتبادل وجهات النظر حسبما تسنح الفرص، وتطبيقاً لما انادي به عملتُ بنفسي منذ زمن على الاتصال مع كثير منهم (وكنت أكثر سعادة حين تأتي المبادرة من احدهم) ما ادى الى بناء مواقف ايجابية لدى بعضهم أو مخيبة لدى بعض آخر كما زوّدني شخصياً برؤىً معرفية جديدة مازالت تثري آرائي عن الصحة وانظمتها وسياساتها وفي مقدمتها تلك المتعلقة بالتأمين الصحي الذي مازال حتى اليوم ورغم انفاقنا الكبير على الخدمات الصحية المختلفة غيرَ واضح المعالم وغيرَ مطبق بالشكل الصحيح المعتمد على مبادئ الرعاية الصحية قليلة الكلفة وبالتالي ظل مع الاسف مبعثراً وموزعاً على جهات مسؤولة متعددة والأهم غير مرضيٍّ عنه من قبل المواطنين..

صحيح ان هذا النهج لم يعجب بعض المعنيين ممن أساؤوا بي الظنون لكن ذلك لم يمنعني من أن أتابع ما انجزه الزملاء او فشلوا في انجازه وأن أضمّن ذلك مقالاتٍ كنت قاسياً في بعضها خاصةً عندما أرى أحدهم يخرج على قانون الصحة العامة نفسه أو يتذاكى للالتفاف على روح الدستور واخلاقياته والانكى عندما يفعل ذلك لتحقيق مصالح شخصية.

وبعد.. رُب قراءةٍ ثانية لهذا المقال توضّح ما قصدت.