عمان - أحمد الطراونة

قلّصت الحكومة - بحسب ما علمت الراي - موازنة الأنشطة لوزارة الثقافة في موازنتها المقبلة للعام 2020 لأكثر من النصف مقارنة بموازنة العام الحالي 2019، حيث لا يتجاوز سقف موازنة 2020 (947 ألف دينار)، لتكون وزارة الثقافة بذلك في اخر سلم الوزارات من حيث المخصصات مقارنة مع الأهداف المطلوبة، ما يخلق تناقضا واضحا في خطاب الحكومة الأردنية تجاه التعاطي مع هذا المشروع.

وكانت الحكومات السابقة دأبت على استشارة فريق الوزارة المعني بوضع الموازنة التقديرية للعام القادم، من خلال حوار جاد بحضور الجهات التشريعية المعنية، وصولا إلى أرقام مالية تحمل إلى حد ما جزءاً من المشروع المتخيّل، إلا أنها في هذا العام قامت بوضع الموازنة دون الرجوع للوزارة، ما يعني ان على فريق الوزارة أن يقسّم ويوزع هذه المبالغ الهزيلة على مشاريعها المتعددة، مما يضعنا أمام سؤال كبير: من يخطط للثقافة في الأردن، وهل وزارة الثقافة صاحبة دور فيما يرسم لها من مشاريع أو ما تريد الوصول إليه من أهداف قريبة أو بعيدة ا?مدى؟

ويرى مثقفون أن هذا التقليص غير المبرر يؤكد أن الدولة قد تخلّت عن دورها لإنشاء جيل واعٍ لهويته الثقافية، الهوية الجامعة التي تسعى لخلق توازن ودمج بين الهويات الفرعية من خلال إيجاد قواسم مشتركة تؤسس لها الوزارة وتكشف عنها وتعمقّها من خلال مشاريعها التي بدأت تتعثّر بفعل هذا التنشيف والتجفيف لمنبع دعمها.

فيما يؤكد مثقفون ان الدعوة إلى أردن حديث ومعاصر، والانزياح إلى دعم مشاريع مفرغة من أهدافها الوطنية على حساب دعم مشاريع التراث والنشر والفلكلور ومدن حقيقية للثقافة ومسرح جاد وصناعة سينما ومهرجانات ترسخ قيم التنافس والإبداع، سيأخذنا إلى مكان أخر نفقد فيه البوصلة وتضيع فيه الأهداف الحقيقية لدولة معاصرة ذات جذور ثقافية راسخة.

وأضاف آخرون إن رعاية الدولة التي بدأت تسحب يدها عن المشروع الثقافي الوطني، هو الحل الأصيل لإيجاد إطار يحمي تفاعل المجتمع مع هذا الانفتاح الثقافي المذهل، بدلًا من إنشاء أجيالٍ غير راغبة في الانتساب إلى مكانها الجغرافي وإرثها الثقافي، أو منفصلة معرفيًا عن هذا الإرث ولا تتفاعل معه. الأمر الذي يعيدنا لمربع حماية الدولة من خلال ذراعها الذي يجب أن يكون أكثر قدرة في التوسع وخلق الفضاءات الجديدة للإنتاج الثقافي والمعرفي الذي يسهم في تجذير الهوية وفي دعم الدخل القومي وتشغيل الفئات ذات العلاقة في الصناعة الثقافية ال?ي أصبحت من أهم الصناعات في الدول صاحبة النهضة الحقيقية، وقوة ناعمة أكثر قدرة على مواجهة القوى الصلبة فكريا وعسكريا.

في موازنة 2020 حددت الحكومة الأردنية سقف موازنة وزارة الثقافة الأردنية بمبلغ 2562000 دينار للنفقات الرأسمالية حيث يتضمن هذا الرقم مخصصات مهرجان جرش والبالغة (900 ألف دينار)، ومخصصات آل البيت (100 ألف دينار)، ومخصصات منتدى الوسطية والبالغة (20 ألف دينار)، ومخصصات المركز الثقافي الملكي والبالغة (190 ألف دينار)، ومصاريف ثابتة (423 ألف دينار) تتضمن أعمال الصيانة ورواتب مدربين فنون وأثاث وغيرها، مما يعني أن المخصص لمشاريع الوزارة الثقافية والتي تتجاوز الثلاثين مشروعا وتتوزع بين المسرح والسينما والنشر والموسيقى ?دعم الهيئات الثقافية ومكتبة الأسرة ومدن الثقافة وجوائز الدولة ومكتبة الطفل والأسابيع الثقافية ومسابقات الوزارة، ومهرجانات الشعر والموسيقى والسامر، والمخيمات الإبداعية، وجائزة الملك عبدالله للتميز، والمسرح الجوال والنشرات الدورية والشهرية، ودعم الملتقيات والاتحادات والروابط الثقافية المختلفة، وغيرها فقط (947 ألف دينار).

لعل النظر في هذه الأرقام وتفحصها جيدا يضعنا أمام تصور واضح لكيفية التعاطي مع مفهوم الثقافة في حال إعداد موازنة الدولة الأردنية، وهذا يجعلنا نؤكد مرة أخرى على أن المشروع الثقافي الوطني يغيب تماما عن طاولة واضع الموازنة وسياساتها، على الرغم من التأكيد الدائم والمستمر في خطابات العرش السامية على أهمية هذا المشروع وضرورة دعمه، والوقوف إلى جانب المثقف وإبراز دوره في الحياة العامة ليكون نموذجا.