إربد - أحمد الخطيب

أصدر الشاعر محمد النعيمي، ديوانه الأول «أساور الغياب»، بعد تجربة قصيرة في الكتابة القصصية سطرها في كتابه الأول «عناق المسافات»، ويبدو هذا التحوّل السريع بين السرد والشعر مادة للوقوف على الهوية الأدبية التي ينشدها الكتاب الجدد.

الديوان الواقع في 134 صفحة من القطع الوسط، وصمم غلافه الشاعر أحمد طناش شطناوي، انحاز في وشائجه النصية إلى قصيدة النثر، مستنداً إلى غواية السرد التي عالجها في كتابه الأول، حيث تقع نصوصه في تعاطيها مع التفاصيل اليومية تحت تأثير المتغيّرات التي تنشأ من التداعي الحر غير المقيّد، وصولاً إلى الانعتاق من دائرة التشخيص، ووقوفاً على البنية المكثفة للجملة الشعرية.

الديوان نفسه اشتمل على خمسين نصاً تراوحت عناوينها بين الالتفات السردي من مثل: «لا تمت كثيرا، فوهة البندقية، غفوة أمل، خبز وحمام، وما زلت هنا»، والالتفات الشعري من مثل: «شتات في المنفى، يا بلة الريق، أركض نحو الحلم، وتر الكمان، عشبة الحياة، وعناد يسكن بقاياي»، إلى غير ذلك من العناوين التي اقتطت سياقاتها من مزج السردي والشعري في عتبةٍ واحدة، من مثل: «لهو يسرقنا من جيب الوجود، طويل هو ليل الغياب، وانفض غبارك بريش أحلامك».

بين كتابه القصصي الأول وديوانه الشعري الجديد يسعى النعيمي بهدوء إلى رسم ملامح تجربته، متكئاً على تثقيف الذات والنص معاً، بعد أن وجد ضالته في القراءة المكثفة، حيث تشرق الكتابة الجديدة بتنوّع أغراضها، ومهاد إيقاعاتها الفنية، لتشكّل مفتاحاً لتجربة قادمة، واعية تستعد للإبحار في عوالم المتخيّل الذي يلتفت إلى بنيته مع كلّ نص جديد.

النعيمي في ديوانه ينشغل بالمؤثرات اللغوية، وهي الحالة الأولى التي يضارعها من يطأ أرض الكتابة الإبداعية، ليتعرف من خلالها إلى صوته ودرجاته وحضوره في النص الشعري، غير ملتفت إلى بنية هذه المؤثرات والتي تأتي في مرحلة لاحقة رغم حمولتها في النص، بعد أن يكون المعجم الشعري الخاص قد استوى على عوده، كما هو الحال في قصيدته: «آفاق سحر أنوثتك» التي يقول فيها: «وأنا الأجنحة، أنت درب طويل، وأنا فيه السلحفاة، كيف أجتازك أو أمحوك مني، يا نرجس النساء، يا مفاتن القصيدة، يا نخل بابل».

يرى الناقد عبد الرحيم جداية في مقدمته لديوان النعيمي الأول، بأن المنهج الذي اتبعه النعيمي في كتابه «عناق المسافات» شكل مرحلة أولى في حياته الأدبية التي نتجت عن مجمل تجاربه الحياتية في القراءة والكتابة، منوهاً أن النعيمي كاتب يجيد التعبير عن الفكرة التي وقرت في نفسه.

واعتبر أن العناق الطويل مع المسافات، كان لا بد له من مرحلة جديدة ينتقل فيها الكاتب في حرفية وصناعة أدبية إلى قصيدة النثر في كتابه الثاني «أساور الغياب»، حيث تمكن كما يرى جداية من تشكيل تفعيلاته وزحافاتها من تفعيلات أخرى، منتجا من أساور الغياب ديوانا يحمل إيقاعا داخليا في قصيدة النثر.

يقول الشاعر النعيمي في قصيدة «في صفحة الريح»: «خبّأت وردة الميلاد، حتى تبقى تهبُ المشردين رحيقها، لتعلن نصر البنفسج والتوليب على فوهة البندقية، ليصير البارود بذراً ينبت على كتف السلام، وفي جيب القصيدة أدسّ لك كل نبضاتي، لعلها تحيا وأحيا، وأبقى ألملم من ضفة النهر لآلئي، وأصنع منها عقدا لملكة أتتْ لتطهر مطراً أتى من سحاب الغياب».