ليس أفضل للصحفي من أن يجد مسؤولاً سابقاً، برتبة وزير داخلية مثلا، في حالة غضب، ولديه من الشواهد والمبررات ما يبرر بها عدم رضاه، وليس من مواقع المعارضين السياسيين.

هذا اللقاء يصل ذروة التشويق عندما يكون المسؤول السابق جريئاً واضحاً وصاحب عقلية ومزاج شخصي مؤسس على المنطق والنزاهة.

رجائي الدجاني كان وزيراً للداخلية خلال أحداث معان 1989، وتدرج قبلها، في دائرة المخابرات العامة، وبعدها تولى مسؤوليات وزارية بينها حقيبة النقل التي منحته قوة الحجة في الحديث اليوم عن الكيفية التي تختنق فيها العاصمة.

لدى الدجاني، من الخبرة والجدية والنزاهة الموصوفة، ما يجعل حديثه أيضاً عن الفساد وعن الأزمة الاقتصادية أكثر من شيّق.

ما الذي تغير في صورة المخابرات العامة منذ الوقت الذي عملتم فيه بالدائرة وحتى الوقت الحالي الذي تكررت فيه توجيهات الملك عبد االله الثاني بإجراء إصلاحات تحديثية في نهج المخابرات؟

في المخابرات يتم العمل على أسس علمية ومنهجية وجميع أهدافنا وأساليبنا واضحة. كانت نقلة نوعية في العمل الاستخباري، قبل ذلك كانت المباحث والأجهزة المتعددة تعمل في هذا المجال، وعندما تأسست المخابرات نظمت هذا العمل تحت مظلة واحدة، ووضعت أسس علمية، وأصبح التعيين معظمه من الجامعيين بهدف رفع سوية الأداء.

كذلك كانوا يخضعون لدورات تدريبية تشمل التعرف على العمل الاستخباري وأسسه وأصوله، وبالتالي فإن الضابط في المخابرات عليه أن يمر بمراحل التأهيل بحيث يستطيع القيام بعمله بشكل صحيح بعيدا عن ممارسات الأجهزة القديمة التي علقت بها سمعة سلبية. وهذا الأمر ينطبق على معظم الأجهزة المماثلة في الدول العربية.

وقد جاء تطوير المخابرات الأردنية ليغير هذه الصورة وفق عمل جديد في العالم العربي وفي الأردن بشكل خاص على أسس حديثة في محاولة لتغيير الصورة القديمة والعمل بشكل صحيح يخدم أمن الدولة الداخلي والخارجي.

ماذا شكل لك العمل في المخابرات؟

العمل في المخابرات بالنسبة لي مدرسة، تعلمت فيها أموراً كثيرة قد لا تتاح لي في مجال آخر. وسعت مداركي السياسية واطلاعي، صقلت قدراتي بالتعامل مع الناس، فاكتسبت خبرة كبيرة في الحياة وفيما يتعلق بالعمل العام فأصبح عندي رصيد من المعرفة في موضوع إدارة الدولة ورعاية شؤون المجتمع.. تعلمت هذا الشيء من مدرسة المخابرات التي لها بعد كبير أوسع من الإطار الذي يفكر فيه العامة من الناس.

افترض: أنه تم تعيينك رئيسا للحكومة ما أول قراراتك؟

أولاً في هذا العمر لا يمكن أن أكون رئيسا لحكومة، فأنا لا أتحمل الوضع السائد وأساليب التعامل مع المسؤولين، والتي لا أطيقها، لأجل ذلك من المستحيل أن أتولى رئاسة حكومة رئيس الحكومة هو رئيس السلطة التنفيذية ويرأسها الملك، لكن رئاسة الملك للسلطة التنفيذية رئاسة دستورية، هذه السلطة التنفيذية مسؤولياتها كبيرة وتقع تحت طائلة المساءلة البرلمانية.

لكن وبالفرض الساقط إذا أصبحت رئيسا للحكومة فأول قرار تطبيق السياسة التي نفذها الرئيس مهاتير محمد في ماليزيا بحذافيرها ومحاسبة كل مسؤول عن القرارات الخاطئة التي ورطت الأردن بالمديونية وإحالتهم إلى القضاء كذلك محاسبة كل من أثرى على حساب الدولة والمال العام ومصادرة أملاكه ومحاكمته لينال جزاءه العادل.

سبب عدم قناعتك بجدوى الأحزاب وقدرتها على تنفيذ شعاراتها؟

الأحزاب على اختلاف أنواعها وأصنافها تنشأ في الأوطان على خلفيات ومقتضيات تكون سببا في وجودها، وتشكل الأحزاب باجتماع آراء بعض الأشخاص على مبادئ وقواعد وقيم تفرضها حاجات المجتمع فتبرز الأفكار لدى بعض قياداته من المثقفين والعاملين في مختلف المجالات لإيجاد صيغة ناظمة للمجتمع وحمايته ورعايته والدفاع عن مصالحه كذلك وضع الخطط والنظم لإدارة الدولة وحماية الوطن وتمكينه من السير في معارج التقدم والازدهار فكانت الطروحات في العالم العربي خاصة بلاد الشام طروحات قومية لأسباب واضحة جلية وهي حماية الشعب العربي من الاستعمار?الأجنبي والاحتلال والانتداب والوصاية فجاءت الأحزاب القومية ردة فعل عملية تترجم أفكار رواد الحزبية دفاعا عن الأمة العربية والوطن العربي وعليه لابد من إلحاق برنامج إجتماعي إقتصادي يلتحم مع البرنامج السياسي القومي لكن التجربة العملية في هذا المجال لم تنجح لقلة الخبرة.

عندنا الأحزاب المحلية غير قادرة على إستقطاب أعضاء يلتزمون بالمبادئ والأفكار المطروحة لأي حزب من هذه الأحزاب لأن القائمين عليها مجموعة أفرزتهم خدماتهم في العمل العام والمؤسسات الرسمية ولم يكونوا من قيادات المجتمع المدني ولذلك لم يجد الناس فيهم قدوة يتبعونها مع الإحترام للجميع.

من ناحية ثانية أجد أن الشعارات والبرامج المطروحة ليست سوى أفكار منقولة من أدبيات أحزاب في الخارج، لكن المهم هو البرنامج الذي يطرحه الحزب وخطة العمل لتنفيذه على أن تكون خطة واقعية وقابلة للتنفيذ.

ذكر د. عبدالله النسور في إحدى المقابلات أنك استدعيته وحققت معه وأصبحت في وقت سابق وزيرا زميلاً له في إحدى الحكومات. ما سبب استدعائه وحبسه في سجن الزرقاء العسكري؟

لقد سمعت ما ذكره د. عبدالله النسور منه شخصيا والحقيقة التي أذكرها أنني فعلا حققت معه في عام 1966 عن علاقاته الحزبية ونشاطه الحزبي لكنني لم أستدعه، ما حصل أنني دخلت إلى غرفة التحقيق في المخابرات العامة ومعي ملف د.عبدالله النسور فوجدته جالسا في المكتب ينتظرني وبعد السؤال والحوار والنقاش بدأت التحقيق والحديث وأكملناه على أحسن ما يكون ولا أعرف فيما إذا كان موقوفا في السجن العسكري في الزرقاء والأصح أنه كان موقوفاً في المخابرات على حد علمي وودعته وخرجت من المكتب ولا أعرف أين ذهب بعد ذلك هذه ليست مهمتي، ومن ثم ذهبت إلى مكتب آخر لإجراء التحقيق مع شخص آخر وهكذا مهمتي في ذلك الحين التحقيق أما مهمة الإستدعاء والتوقيف فيتم عن طريق دائرة المخابرات مباشرة. وعلى ما أذكر أنه عندما كنت وزيرا خرج الدكتور عبدالله النسور من الوزارة بتعديل وزاري.

هل ساهمت الحكومة الإلكترونية بالحد من ضغط المراجعين؟ وكيف ترى الحل الأنسب للتخفيف على المواطنين لدى مراجعاتهم للدوائر الرسمية؟

مع الأسف الشديد أن ما يقال عن الحكومة الإلكترونية سمعناه منذ عقدين من الزمن ولم يحصل شيء على أرض الواقع والسبب أن أرشيف الحكومة والمؤسسات والدوائر في فوضى عارمة ولا يمكن تطبيق ما ادعته الحكومات المتعاقبة عن هذا الموضوع بسبب تبعثر المعلومات وعدم تنظيمها وضبطها وإدخالها إلى الأجهزة الإلكترونية حتى يمكن استخراجها واسترجاعها عند الطلب فكل ما ذكر عن هذا الموضوع هو هراء وليس حقيقة وعند استخدام هذا النهج يصطدم المواطن بالحقيقة المرة وهي ضرورة العودة إلى الأوراق والموظفين «روح اليوم، تعال بكره» إلى آخر الفيلم المز?ج الذي يترك آثارا مدمرة على المجتمع ويخلق أزمات السير وغضب الجمهور والقرف من التعامل مع دوائر الدولة. هذا بالإضافة إلى أن الحكومات المتعاقبة تفرض رسوما دون مراعاة النص الدستوري أن لا ضريبة ولا رسم إلا بقانون فإذا نظرنا إلى وصل المقبوضات الذي يصرف لدى إجراء المعاملات يمكن التثبت من هذا الأمر لكي يرى المواطن كم يدفع من المال لقاء خدمة أو ورقة أو إجراء لالزوم له فقط لتبرير دفع المال للخزينة هذا شيء معيب ويسبب إحتقاناً وغضباً لدى الجميع في بعض الأحيان عندما أستعرض بيانات الوصولات أضحك من سخافة التبرير المذكور ?ا خسارة!

استراحة



• كيف تقيم نفسك؟

انسان عادي بسيط أترفع عن الصغائر وهذا سبب عدم احتكاكي بالناس واحافظ على مسافة بيني وبينهم. اختار أصدقائي الذين أتعامل معهم اختيارا دقيقا. بمعنى انني لست شعبيا.

• لكنك متعجرف:

لا .. لست متعجرفا، لكنني لا أجامل وربما يعتبرها البعض قسوة وحدة في التعامل أو عجرفة كما أسميتيها. أحب ان أكون على علاقة طيبة مع كل الناس ولا أحب ان أٌغضب أحدا أو أخاصم أحداً.

• أسمع منك ألفاظا حادة وكلمات تشعر بعدم الرضى:

أنا صريح، ولا أهاب أحدا، ممكن أن تكون صفة سيئة فيّ ويجب أن أكتمها، إلا أنني لا أسكت على الخطأ ولا أسامح المخطئ.

• أناقتك لافتة:

أهتم بهندامي وهي من المتع عندي ويشعرني هذا براحة وسعادة (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده).

• جاد جدا وكثير العبوس:

صحيح أنني جاد جداً أما العبوس فهذا شيء موروث في العائلة بالاضافة إلى أنه لا يوجد ما يفرح هذه الأيام نحاول ان نبتسم أو نضحك ولكن بصعوبة.

• هل نعيش في زمن رديء؟

الحقيقة أننا نعيش في زمن رديء جدا كل شيء تغير واختلف، الناس غير الناس في السابق، الأخلاق تدنت، سلوك بعض الناس تغير يغلب عليه العنف وقلة الأدب والوقاحة والزعرنة وعدم إحترام الكبار في السن.

• ما هي أصعب محطات حياتك خلال مشوارك العام؟

حياتي كلها كانت صعبة ومشقة منذ أن خرجنا من فلسطين ولم تكن حياة رغيدة وسعيدة أما أصعبها كانت خلال فترة ما بعد حرب 1967 حتى عام 1971. وهنا أقول (تنذكر ولا تنعاد).

• هل تخشى على مستقبل أحفادك؟ إن ما يجري في العالم العربي وفي الأردن وما وصلت إليه الأمه العربية من التفكك والضعف وسيطرة القوى الشريرة والصيهونية العالمية والجوار الإسرائيلي المحتل الغاصب لا أرى أن مستقبل أحفادنا مطمئناً والله يسترهم من القادم لأن أهداف القوى الاستعمارية والإمبريالية هو السيطرة المحكمة على هذه البلاد والتحكم فيها وبشعوبها طالما أن فيها نفط وغاز يريدونه، وكذلك لضمان أمن بقاء دولة الإحتلال في فلسطين.

• المحصلة؟

المستقبل مظلم وحكام الأمة العربية في حالة من الإنكار مع الأسف، ويبتعدون عن الشفافية التي هي أساس الثقة بالحاكم.

• الأسرة

زوجة الباشا ماجدة الخليل ابنة خالته.. لديه من الأبناء جعفر مواليد 1977 مهندس معماري تخرج من جامعة «كنت» ولديه ثلاث بنات. وغزوة مواليد 1975 تحمل درجة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة «برستول» ولديها بنت وولد. أكبر أحفاده في سن 13 عاما وأصغرهم 9 سنوات.

كما لديه ابنه لزوجته من زواج سابق تربت مع أبنائه وتخرجت من جامعة كلومبيا / كارولينا الجنوبية ولها من الأبناء ثلاثة: وجميهم تخرجوا من جامعات أميركية في الولايات المتحدة.