أبواب - زياد عساف 

«وحيد» كان الاسم المفضل للموسيقار فريد الاطرش في العديد من الاعمال السينمائية التي ظهر بها معبرا عن الحال التي اّل اليها بعد وفاة شقيقته المطربة الراحلة اسمهان ، الاسم هنا يعكس بريقا رومانسيا لبطل الفيلم وكأن الوحدة صفة مستحبة في مثل هذه الحالات ، وهذا لا ينعكس بطبيعة الحال على شخصية الابن الوحيد لذويه وكان واحدا من المواضيع التي تطرقت لها السينما العربية أيضا بالعديد من الأعمال .

تنحصر هذه الشخصية وعلى الأغلب في نوعين من الافلام ، الاول تم توظيفه بشكل صحيح يعكس العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية كفيلم (المواطن مصري) ويحكي قصة شاب فقير وحيد لامه وابيه ومع ذلك يتم ارساله للتجنيد بدلا عن ابن العمدة وبالتحايل في الاسماء مقابل خمسة افدنة ، والنوع الثاني يحمل طابع المغامرات والتسلية ليس أكثر ، لدرجة ان تنبه صناع فيلم (عسكر بالمعسكر) للخطأ القانوني الفادح الذي وقعوا به بعد سنتين من انتاجه ،إذ غاب عن ذهنهم ان الابن الوحيد يعفى من الخدمة العسكرية ، والثغرة جاءت هنا في دور محمد هنيد? الذي ظهر كوحيد لوالديه يؤدي الخدمه الالزامية حسب سيناريو الفيلم ! .

خفايا ..

تناقضات مخالفة للواقع لا تخفى على الكثير من متابعي السينما المصرية وخاصة القديمة منها، إذ من غير المقنع مشاهدة فيلم يتحدث عن ابن وحيد ضمن اسرة ريفية فهذا بطبيعة الحال مناقض للقيم والمفاهيم الاجتماعية في القرى والارياف التي تعتبر كثرة الأبناء مدعاة للتفاخر والمباهاة وسندا لعثرات الزمن، وحتى في المدن وبين العائلات التي نالت حظا من العلم والاكتفاء المادي يكون عدد الأبناء اثنين او ثلاثة في أغلب الأحوال، باستثناء بعض الأسباب الموجبة لذلك كالزواج في سن متأخرة، أو لتوقف الانجاب لاسباب وراثية وصحية أو في حال الانفصال بين الزوجين.

الأسباب الخفية لهذا النوع من المغالطات ان هذه الاعمال مقتبسة اساسا من افلام ومسرحيات غربية، وبالتالي تعكس ثقافة الغرب بالاكتفاء بمولود واحد، وتناسى اغلب المخرجين ان تمصير هذا النوع من الاعمال يجب تطويعة ليتوافق مع طبيعة البيئة الثقافية المصرية لا مقلدا حرفيا للعمل الاصلي، وللانصاف نجح بعض المخرجين بذلك وعلى الجانب الاّخر اخفق كثيرون خاصة في الاعمال التي يسعى المنتج وبهدف التوفير المالي إلى تقليص عدد الشخصيات المشاركة بالفيلم.

الاراجوز ..

الافراط في دلال الابن الوحيد له انعكاساته السلبية حسب رؤى وآراء العديد من المختصين العالميين والمحليين في مجال العلوم التربوية والانسانية، السينما اشارت ايضا لهذه القضية في اعمال كثيرة ومتباينة من حيث الجودة والقيمة، مع عدم اغفال الغايات النبيلة التي برزت في مرحلة المد القومي في الخمسينيات وهدفها توظيف الثقافة السينمائية لتعزيز القيم الاجتماعية والانسانية وخلق نشئ جدير بحمل المسؤولية والتي تنطلق من التركيز على الاسرة الواحدة المتماسكة.

من هذه الاعمال فيلم (غضب الوالدين) انتاج عام 1952، وتم اعادته عام 1976 بعنوان (بالوالدين احسانا) لنفس المخرج حسن الامام، ومع ممثلين اّخرين منهم فريد شوقي وسمير صبري وسهير رمزي، ويتطرق لقضية الابن الوحيد المدلل الذي يتنكر لوالده الموظف البسيط في احدى المصالح الحكومية.

«الاراجوز » فيلم من انتاج عام 1989 يطرح قضية معاناة الاب (عمر الشريف) بتنكر الابن الوحيد له (هشام سليم) بعد ان علمه في الجامعة من خلال مهنته (الاراجوز)، ومع توالي الاحداث ينجب الاب مولودا من زوجته الثانية في سن متأخرة ويسعى لتربيته بطريقة صحيحة مستدركا اخطاءه السابقة في تربية الابن الاكبر.

طوق نجاة ..

ليست بالضريبة السهلة تلك التي يدفعها وحيد والديه في حال الانفصال بين الاب والام او وفاة احدهما، فهنا يبدو الابن منزوع الارادة بسبب الاهل باعتباره الاستثمار الوحيد وطوق النجاة الاخير بالنسبة لهما، وهنا قد تنحرف البوصلة عن التوجيه التربوي السليم وهذا ما يختصره فيلم (السراب) 1972، ويطرح العلاقة المتشابكة بين الابن (الوحداني) نور الشريف، وتعلقه بوالدته (عقيلة راتب) التي تتدخل في حياته الزوجية، وتسعى لتفريقه عن زوجته علما انه اختارها باعتبارها تشبه والدته في صفاتها الشكلية لدرجة يصعب عليه القيام معها بالعلاقة الشرعية كزوج باعتبارها صورة عن امه ما يؤدي لتدمير حياته الأسرية في النهاية .

«رجال بلا ملامح» 1970، فيلم يتحدث عن سطوة الأب (محمود المليجي) أيضا الذي يعارض زواج الابن (صلاح ذو الفقار) من فتاة ليل (نادية لطفي) بحجة ان الاب ادعى زورا ارتباطه بعلاقة معها لتعطيل هذا الزواج، ومع وجود اسباب منطقية لرفض هذا الارتباط، الا ان السبب الخفي يكمن من خشية خسارة الاب لابن ليس له غيره، باعتباره سنده الاخير في الحياة، وهذا القلق كان سيتلاشى على الارجح في حال كان له اكثر من ابن بطبيعة الحال .

ضد الحكومة ..

اصحاب الاعاقة من ذوي الاحتياجات خاصة كانوا من الشخصيات التي تناولتها السينما العربية، وكان نتاج ذلك مجموعة من الاعمال السينمائية التي حصدت جوائز قيمة واعتبرت من ضمن اهم الافلام التي قدمتها السينما العربية، ومنها شخصية (قناوي) التي اداها يوسف شاهين بفيلم (باب الحديد) عام 1958، وشخصية (قفه) التي قدمها الفنان عبد الغني قمر بفيلم (درب المهابيل) انتاج عام 1955، والملاحظ ان هذه الشخصيات وحيدة في الحياة لا وجود يذكر للاب او الام ضمن تسلسل الاحداث الواردة بالفيلم.

شخصية الابن الوحيد عندما يعاني من اعاقة او اصابة سيكون وقعها في الحياة وعلى الشاشة مؤثر بدون شك، وفي هذا المجال قدمت السينما مجموعة من هذه الحالات ومنها فيلم (ضد الحكومة) 1992، ويتحدث عن شخصية محامي انتهازي (احمد زكي) اعتاد استغلال القضايا التي تتعلق بضحايا حوادث الطرق، ويصحو ضميره بعد حادث تصادم قطار مع مركبة تقل مجموعة من التلاميذ يكتشف ان ابنه الوحيد احد المصابين، والنتيجة اصابة في القدم تحول دون تحقيق حلمه كبطل دولي في رياضة التايكواندو، عندها يقوم الاب المحامي بتحويلها لقضية رأي عام بعد مرافعة قد?ها في المحكمة كانت من اجمل المشاهد للفنان احمد زكي عبر مسيرته الطويلة في السينما.

من الافلام الهامة ايضا (ديك البرابر) 1992، وقدم فاروق الفيشاوي اجمل ادواره أيضا كابن وحيد متخلف عقليا، يزوجه والده من عشرية (نبيلة عبيد) بهدف انجاب ابن يرث ممتلكات الجد ليحول دون وصول التركة لازواج بناته الاربعة، والنهاية يقتل الاب على يد الابن المعاق ذهنيا كعبرة لاصحاب النفوس المريضة التي حرفها الطمع عن المسار الصحيح في الحياة.

بفيلم «الليلة الكبيرة» 2015 يظهر الفنان احمد رزق (وهدان) بشخصية وحيد امه غير السوي عقليا، ويعاني من عقده تجاه والدته التي تبيع جسدها من اجل تربيته.

الأبواب المغلقة ..

ظاهرة الارهاب تم تناولها من خلال محاور عديدة والابن الوحيد كان حاضرا في اعمال مهمة ضمن هذا السياق، ومنها فيلم (الابواب المغلقة) 2001، ويتمحور حول ثلاث شخصيات رئيسية الام (سوسن بدر)، والمدرس (محمود حميدة)، والابن (احمد عزمي)، الام انفصلت عن زوجها وتزوج أخرى، ما اضطرها للعمل خادمة في البيوت لتأمين مصاريف ابنها، وبدوره يحاول ان يثنيها عن العمل في المنازل ويبدأ العمل كبائع لاوراق المناديل في الشوارع، وينساق للمجموعات الدينية المتطرفة وتتوالى الاحداث في النهاية وتقتل الام والمدرس على يد الابن بعد ان يكتشف وجود علاقة بينهما .

وكما يظهر من سياق الاحداث ان مخرج الفيلم عاطف حتاته استطاع توصيل الفكرة للمشاهد بسلاسة تمثلت في الاسقاط المتمثل في شخصية الابن باعتباره الشاب الذي يمثل امل الوطن والذي ترمز اليه الأم هنا، والنهاية وان كانت مأساوية ونتيجتها ضياع الاسرة، الا انها تحمل في ثناياها عبرة جاءت على شكل تحذير بالاسراع في وضع الحلول لانقاذ الاجيال الشابة من الفكر المتطرف الذي اخذ يجتاح المنطقة العربية برمتها.

زهرة حلب ..

«زهرة حلب» فيلم اخر يتطرق لنفس القضية وعرض عام 2016 من انتاج تونسي مصري لبناني مشترك، وبطولة الفنانة هند صبري وتقوم بدور امرأة مطلقة تعمل ممرضة تكافح من اجل تربية ابنها الوحيد الذي جرفته الافكار الدينية المتطرفة وتم ارساله كمتطوع من اجل الجهاد في سوريا، وتضطر الام الذهاب لمدينة حلب متخفية بصورة متطوعة للجهاد بهدف استعادة ابنها الوحيد .

وعن الرسالة التي اراد الفيلم توصيلها يقول مخرج العمل رضا الباهي انه تجنب الخوض في القضايا السياسية بالفيلم، لان نشرات الاخبار والمواقع الالكترونية تتطرق لهذه المهمة ليل نهار، لكنه قدم الفيلم بمنظور انساني عاطفي بهدف التأثير على الناس لتجنب الوقوع في مستنقع الارهاب وافكاره المتشددة حماية لمستقبل الاجيال القادمة .

سيد الحبايب ..

الحس التجاري لم يخل من مجموعة كبيرة من افلام الحركة والاكشن، وتكرر ذلك في مشهد الابن او الابنة الوحيدة اللذين يتم خطفهما من قبل العصابة ما يتطلب حالات مطاردة وعنف، ومن هذه الاعمال : شاطئ الذكريات 1955، رصيف نمرة خمسة 1956، ملاك وشيطان 1960، بطل للنهاية 1963، المشبوه 1981 والنمر والانثى 1987 .

ويبقى للاغنية السينمائية سحرها في مضمون اي عمل، ويحتفظ ارشيف السينما المصرية بالعديد من المشاهد للام وهي تغني (لحيلتها) في اجمل مشاهد السينما الغنائية، ومنها شادية وهي تداعب وحيدها مغنية : (سيد الحبايب يا ضنايا انت) من فيلم (المرأة المجهولة) 1959، جارة القمر فيروز وهي(تهدهد) طفلتها (يالله تنام ريما) في مشهد يعبق بالدفء والحنان من فيلم (بنت الحارس) 1967 .

وفي اغنية (حبيبة امها) للمطربة صباح بفيلم (الليالي الدافئة) 1961، عبرت وبكلمات عفوية وصادقة عن امانيها لطفلتها الوحيدة وهي تغني لها :

«حبيبتي بكره تكبر وتروح المدرسة

ويقولوا بنتي شاطرة ونمرها كويسة

تكبر في عينيا صورتك من الصبح للمسا

واقول خلاص دي كبرت وحتبقى مهندسة

يا اخواتي بحبها .. دي حبيبة امها !» .