أبواب - طارق قديس

مع مُرورِ ذِكْرى ميلاد الموسيقار فريد الأطرش من كُلِّ عام في التاسع عشر من تشرين أول، دائِمًا ما تقفزُ في الذهن ذِكْرَياتِ الزمنِ الجميل لواحِدٍ من عمالِقِة الغِناء العَرَبِيِّ في عَصْرِه الذَّهبي، وأغانيهِ المُعْجونِةِ بالإيقاعِاتِ الشَرْقِيِّةِ المُتَوَهِّجَة، حتى تِلْكَ الأغاني التي نُسِجَتْ بِقالَبٍ غَرْبيٍّ مِثْلَ أُغْنِية «يا زَهْرةً في خيالي»، والتي أَبى إلا أن يُضَمِّنها مَوَّالًا في خاتِمَتِها.

لم يكن هذا الموسيقار المُتَمَيٍّزٍ بألحانِهِ، سواءٌ المُغَناةُ بِصَوْتِ مُطربينَ آخرين، أو بِصَوْتِه، مُجَرَّدَ تاجِرٍ للألحان، أو مُغَنٍّ يَسْعى وَراءَ الشُّهْرَةِ فقط، وإنما هو إنسانٌ تَرْجَمَ أحاسيسَهُ إلى ألْحانٍ تَقاسَمَها مع المُسْتَمِعين، وانْتَقَلَتْ من حالَةِ الفرح إلى حالةِ الانكسار، خاصَّةً بَعْدَ وَفاةِ شَقيقَتِهِ المُطْرِبَةِ «أسمهان»، فاكْتَسَتْ مُعْظُمُ ألحانِهِ في تلكَ الفترةِ عُمومًا باللوِن الرَّمادي الحزين، حتى بَدا لَه أنه كلَّما حاول التحليقَ بعيدًا في سماءِ التَّفاؤل كانَتْ جاذِبيَّةُ التَّشاؤم واليَأس تَجُرُّهُ بِشراسَة وقوة، وهي مَرْحَلَةٌ من حياتِهِ إستغرق فَتَرَةً لِيَتَجاوَزِها، خاصَّةً أنه أُصيبَ بِذَبْحَةٍ صَدْرِيَّةٍ قَوِيَّةٍ بَعْدَ وَفاتِها مُباشَرَةً، وَظَلَّ على أَثَرِها مُعْتَكِفًا عن العملِ لمُدَّةٍ من الزمن.

وليسَ أدَلُ على هذه الحالة النفسيةِ المُنْكَسِرِة التي مَرَّ بِها مما غَنَّاهُ في أغنية (نُجوم الليل) عام 1953 حين قال: «ومين قال الحياة حلوة وفيها الظلم والقسوة؟»، مُتَناسِيًا أنه هو نفسُهُ الذي سَبَقَ وقالَ في أغنيتِهِ الشهيرة (الحياة حلوة): «الحياة حلوة بس نِفْهَمها.. الحياة غنوة ما أحلى أنغامها» في عام 1949!

ولم يسلم هذا الفنان الإنسان طيلَة حَياتِهِ من المُحارَبَةِ الفَنِّيَّة من قبل كِبارِ المُطْرِبينَ والمُطرباتِ، ابْتِداءً بِكَوْكَبِ الشرق أم كلثوم التي رَفَضَت الغِناءَ من ألحانه، ومنها أغنيةُ (الربيع) كون فَريد هو شقيق المطربة أسمهان المنافسة المباشرة لها حتى عام 1944، مُرورًا بالموسيقار محمد عبدالوهاب الذي رأى فيه مُنافِسًا صُلْبًا نَظَرًا لأن كِلا الشخصين يقومانِ بالغناء والتلحين، وانتهاءً بالعندليب الأسمر الذي رأى فيه مُطْرِبًا لا يُمْكنُ قَهْرُهُ كما حدث مع كثيرٍ من المُغنين الذين لَمَعوا وانطَفَأتْ شُعْلَتُهُمْ سَريعًا مع وجودِ عبدالحليم حافظ، وتَهَرَّبَ من الغِناءِ من ألحانِهِ غيرَ مَرَّةٍ مُتَذَرِّعًا بأن طَبيعَةَ ألحان فريد الأطرش لا تُناسِبِه.

ولَعَلَّ أقوى الأسبابَ التي دَعَتْهُ إلى الإقامة في بيروت من عام 1966 حتى ظهوره في مصر بحفل عيد شم النسيم من شهر نيسان عام 1970، هو تَدَهْوُر حالَتِهِ، خاصَّةْ بَعْدَما دَخَلَ الموسيقار محمد عبدالوهابِ إلى نادي مُلَحِّني السَّيِّدَةِ أُمِّ كُلثوم في عامِ 1964، وَوَجِدَ نَفْسَهُ مَنبوذًا من العندليبِ الأسْمَرِ و كَوكَبِ الشَّرْق في آنٍ واحِدٍ ومُحارَبٌ من الجَميع.

ومن المُؤْسِفِ بَعْدَ كُلِّ هذهِ السنواتِ أن يَسْتَمِرَّ مُسَلْسَلُ المُحاربَةِ اتِّجاهَ هذا الموسيقارِ الفَذِّ، وأنْ تَعْمَدَ بَرامُجُ تِلْفزيونية حَديثَةٌ إلى تَشويِهِ صورَته، وأن تَتَبَنَّى العِبارَةَ القائِلَةَ بأنَّ فَريد الأطرشُ هو من ضَمَرَ الغيرةَ لعبدالحليم حافظ، في حينِ أنَّ الحَقيقةَ هي العكس تَمامًا، وهي بعَمَلِها هذا تُمارِسُ أقصى دَرَجات التضليلِ الإعلامي المُتَمَثِّل في قَلْبِ الحقائق.

إن الحقيقة تَتَجَسَّدُ في أن صاحَبَ أغنية «دقوا المزاهر» كان يَشْكو من الظُّلْم، وأنَّ عبدالحليم هو من شَعَرَ بالغيرةِ منه وعَمَدَ إلى مُحارَبَتِهِ. ومما يُثْبِتُ وَجاهَةَ هذا القول ما صَرَّحَتْ به الفنانة لبنى عبدالعزيز في شهَادَتِها التلفزيونيَّةِ عن العَلاقة بين المُطْرِبَيْن في أنه بَعْدَ فترةٍ من تَمْثيلِها فيلمَ «الوسادة الخالية» عام 1957 عَلِمَ العندليبُ أنها سَتَقومُ بِعَمَلِ فيلمٍ مع مُنافِسِهِ بعنوان «رِسالةٌ من امرأة مجهولة» عام 1957، مما أثارَ غَيْرَتَهُ والغَضَبَ عِنْدَهُ، وجَعَلَهُ يَسْتَنْجِدُ بالعَديد من الصَحَفِيينَ و الأدَباء، ومنهم الشاعِرُ كامل الشناوي لإقْناعِها بعَدِمِ العَمَلِ مع فريد، لِدَرَجَةٍ جَعَلَتْهُ يَدْعوها إلى مَنْزِلِهِ بِحُضورِ عَشْرَةٍ من الصحفِيِّين لكي يُطْلِعَها على آخر عِمَلٍ في السينما لفريد الأطرش أمًلًا في ثَنْيِها عن رَغْبَتِها بالعملِ مَعَهُ، ولكن جُهودَهُ لم تُكَلَّل بالنَّجاح، وتمَّ تَصْويرُ الفيلمِ مُحَقِّقًا نَجاحًا باهِرًا.

ولم تَقِفْ مُحاولاتُ التَضْليل عندَ هذا الحَد، وإنما شَرَعَتْ إلى تَرويجِ كِذْبَةٍ أخرى، تم تَضمينُها في أحَدِ البرامجِ الوَثائقيَّةِ التي استَعْرَضَتْ بَعْضًا من حَياةِ فريد في عُجالِةٍ مُضَلِّلَة، وذلك في العبارةِ التالية، وهي أنه «ما من نَجَمَةٍ يُمَثِّلُ أمامَها عبدالحليم حافظ إلا وكانَ فريدُ الأطرش يَطْلُبُها في اليومِ التالي لكي تُمَثِّلَ مَعَهُ عَمَلًا سينِمائِيًّا. حَدَثَ هذا مع مريم فخر الدين، لبنى عبدالعزيز، فاتِن حمامة، ماجدة، و ميرفت أمين». فمِثْلُ هذهِ العِبارة ما كانَ من المُمْكِنِ أن تَمُرَّ على شَخْصٍ يَبْحثُ في حَقيقَةِ السِّيَر، وإنما شَخْصٍ يَبْحَثُ عن سَطْرٍ يُثيرُ الفُضولَ عند المُسْتَمِع حتى وإن كان مُفَبْرَكًا ولا أساسَ له من الصِّحَّة. فَيَكْفي البَحثُ عن أسْبَقِيَّة عَمَلِ الفناناتِ الخَمْسِ السابِقِ ذِكْرُهُنَّ مع أيٍّ من المُطْرِبَيْنِ للتأكدِّ من زيفِ هذا الادعاء، لِيَظْهَرَ جَلِيًّا أنَّ عبدالحليم هو من كانَ يَبْحَثُ عَمَّن مَثَّلْنَ مع فريد لِيُمَثِّلَ هو مَعَهُن وليسَ العَكْس.

الفَنّانَةُ مَرْيَمُ فخرالدين عَمِلَتْ أوَّلًا مع فريد الأطرش في فيلمِ «عَهد الهوى» الذي حَضَرَ عَرْضَهُ الأول الرئيسُ جمالُ عبدالناصر في 07-02-1955، ثُمَّ عَمِلَتْ مع عبدالحليم حافظ في فيلم «حكاية حب» عام 1959، الفَنّانَتانِ فاتن حمامة وماجدة مَثَّلَتا مع فريد الأطرش فيلم «لحن الخلود» عام 1952، ثم مَثَّلَتْ فاتن حمامة مع عبدالحليم حافظ فيلم «موعد غرام» عام 1956، ثمَّ ماجِدة فيلم «بنات اليوم» عام 1957. فيما مَثَّلَتْ لُبْنى عبدالعزيز وميرفت أمين مع عبدالحليم أوَّلًا ثُمَّ فريد بَعْدَ ذلكَ بِخَمْسِ سَنَوات.

من هنا، يَتَّضِح حَجْم التَّضليل الإعلامي المُمارَس بِحَقِّ صاحبِ فيلمِ «عَفريته هانم»، هذا وبإمكانِنا القياسِ على باقي المُمَثِّلات اللوتي مَثَّلْنَ أمامَهُما، إلا أنَّ الحَديثَ يَطول في ذلك.

وخِتَامًا لما سَبَق أعلاه، نَسْتَحْضِرُ ما قالَه الفنَّان عبدالسلام النابلسي «أنا وفريد شخص واحد مش شخصين»، وهو الذي وَقَف أمامَ عبدالحليم والكاميرا في خَمْسَةِ أفلام: «فتى أحلامي، ليالي الحب، شارع الحب، يوم من عمري، وحكاية حب». دونَ أنْ يَغْضَبَ مِنْهُ صَديقُهُ العَزيز أو يَقْطَعَ علاقَتَهُ مَعَهُ.

بل إنَّ من أنْبَلِ القِصَصِ التي طُبِعَتْ في ذاكِرَةِ الوَسَط الفني هي القِصَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بما فَعَلُه مُلَحِّن أغْنِيَة «على الله تعود» لوديع الصافي عندَما بِقِيَ عبدالسلام النابلسي طَريحَ الفِراش في المستشفى، حيثُ لم يُفارِقْهُ لمدة 40 يومًا، وقد كانَ حينَها يَمُرُّ بضائِقَةٍ مادِّيَّةٍ خانِقَةٍ حتى أنه لم يَكُنْ قادِرًا على دَفْعِ إيجارِمَنْزِلِهِ، إلا أنَّ هذا لم يمْنَعْهُ من الاستدانَةِ حتى يَدْفَعَ تَكاليفَ عِلاجِ صَديقِهِ بالمستَشْفى. وُيُبَرِّرَ مُقولَتَهُ الشهيرة بأنه مَدينٌ لفريد الأطرشِ بحياته. فَكَيْفَ لأحَدٍ بعدَ هذا أن يُضَلِّلَ الجمهور، ويَسوقَ الأكاذيبَ على أنها أخبارٌ لا يأتيها الباطل من بين يديها أو من خلفها، ويَقْلَبَ الحقيقة ليظهَرَ المظلزمُ ظالِمًا والظالِمُ مَظْلومًا.