أبواب - تالا أيوب

تمشي حلا واثقة بنفسها، فهي متصالحة مع ذاتها، ومع ما ترتديه من ملابس مريحة متناسقة الألوان، تتزين ببعض الحلي الناعمة التي ترضي ذوقها، وتضع مساحيق تجميل خفيفة، التقتها مقربة منها صدفة، فشهقت الأخيرة لتفاجئها بمظهر حلا، فسألتها باستغراب: «ما بك؟ لماذا تبدين باهتة اللون؟، تلبسين هذه الألوان غير المتناسقة كما أن لون مساحيق التجميل هذه لا يناسبك، فهو يجعلك تبدين شاحبة ومريضة»، صُدمت حلا مما سمعت، فسُلبت منها ثقتها بذاتها، ما جعلها ترد عليها بكلمات مقتضبة وتابعت المسير.

كثير من الأشخاص يرون أن لهم الحق بأن يدلوا بآرائهم في أمور شخصية تتعلق بآخرين، كطريقة لباسهم أو منظرهم أو شخصياتهم وغيره (...)، ويعتبرونها صراحة، وفي المقابل هناك أشخاص يرفضون سماع هذه الآراء لأنها لا تهمهم ولا يطلبونها الا من أشخاص يرتاحون لهم، ويعدّونهم مقربين منهم، ويعتبرون أن ادلاء الرأي في أمر شخصي دون طلب وقاحة.

وتقول أم يامن -وهي ربة منزل-: «أنا لا أحب الصراحة في كل الأوقات، بالرغم من أنني أتمنى أن أعبّر عن كل ما يجول في نفسي الا أنني أفضل السكوت، لأن الصراحة لا تغير واقعا، وتجرح أحيانا، وبالتالي أنتهج مبدأ الاختصار بالإجمال».

وتقول رحاب محمود -وهي موظفة-: «الناس تختلف بأذواقها، وبالتالي ما يعجبني من الممكن ألا يعجب غيري والعكس صحيح، فلا أطلب آراء آخرين بما يتعلق بي الا ممن هم قريبون مني بالذوق وبنمط التفكير وبالمعيشة، اذ أن هناك كثيرين يختلفون عني بطريقة تفكيرهم، ولكن اذا طُلب رأيي فإنني أدلي به بأمانة وصدق وصراحة».

وتضيف: «عندما نقصد الأسواق نلاحظ توافر موديلات وتصاميم وألوان مختلفة، ونستغرب من بعضها وكيف يقبل عليها زبائن؟، ولكن لو لم يكن هناك اقبال عليها لما عُرضت في الأسواق».

وهروبا من التجريح والإحراج، يطلب أشخاص رأي آخرين بلبابسهم أو شركائهم في الحياة بواسطة تطبيقات الكترونية، دون ذكر أسمائهم، وأم بشار حدادين -وهي معلمة واحدة من أقبلن على هذه التطبيقات، وتقول عن تجربتها: «وردتني آراء ايجابية وأخرى سلبية، فرحت للأولى بينما استغربت من الثانية، اذ علق أحداهم: «زوجك «شنع» صراحة»، و«شخصيتك قوية جدا لدرجة أنني لا أتقبلها». وتضيف: «لم تؤثر التعليقات السلبية على نفسيتي لكنني استهجنتها».

وتقول الأستاذة المساعدة في علم النفس الإكلينيكي الدكتورة فداء أبو الخير: «من الممكن أن أوصل الرسالة التي أريدها من خلال الصراحة، ولكن بأسلوب غير جارح؛ لأن الصراحة عندما تكون مؤذية وجارحة فإنها ستؤثر سلبا على المتلقي، ومن الممكن أن تولّد حالة من تدني تقدير الذات لديه والانسحابية والاحباط والشعور بالذنب والمشاعر السلبية اتجاه نفسه أو الآخرين، و من الممكن أن تولد لديه حالة من العدائية والغضب».

وتضيف: «بعض الأمور بحاجة الى أن نتكلم عنها بصراحة، ولكن السر يكمن في انتقاء الكلمات، فإن لاختيار الكلمات، ونبرة الصوت، والتركيز على لغة الجسد أهمية بالغة، وبالتالي يجب أن نكون حذرين بانتقاء كلماتنا وطريقة تعبيرنا عنها».

وتلفت أبو الخير إلى أنه: «اذا سألتني مقربة لي عن لباسها، وأناقتها، وجمالها في ذلك اليوم، وكانت في الواقع ليست كما تطمح ان تكون، فمن الممكن أن أقول لها: لديك لباس أجمل بكثير من هذا اللباس، وأنا أحب اللون الفلاني عليك أكثر، فإنه يليق بك، وبالتالي ستتجه الى الأمور الإيجابية، ولن تركز على أن اللباس الذي كانت ترتديه ليس جميلا».

وتقول المدربة في التطوير والعلاقات والذات والأعمال هبة حبيب :«إننا في التدريب والاستشارات نحاول قدر الإمكان أن نقنع الشخص بأن يعبر عمّا يحسّ به، حتى لو كان رأيه لا يناسب غيره اذ أنه يعد حرية شخصية، وكلما كان الشخص منفتحا في وعيه وقريبا من سعادته وعيشه بسلام سيكون في المسار الصحيح؛ لأنه يعد جزءا من المجتمع، ولكن الأغلب لديهم مخاوف من الرفض أو الكشف عن حقيقتهم وأناهم العليا فيخفون حقيقة ما يشعرون به».

ولفتت حبيب الى أن التعبير عن المشاعر والمعتقدات يعدّ قوة، وبنفس القوة لا بد من وعي لاحتياجات الطرف الآخر، واحترام رأيه، وهنا يكمن الذكاء العاطفي.

وتقول المستشارة التربوية الدكتورة أمينة حطاب: «أنا لا أسميها صراحة وإنما الرأي والرأي الآخر، وعندما يريد الفرد أن يعرف رأي الآخرين به، فلا بد أن يسأل من يثق بهم، وبآرائهم و لا يسأل عامة الناس؛ لأن الآخرين قد يلجأون إلى النقد الجارح من باب فرد العضلات، والاستعراض».

وتشير الى أهمية أن يعي الفرد أصول النقد، كأن يبدأ الحديث عن النواحي الإيجابية، وأن ينقد السلوك لا الشخص، وأن لا يتعرض لشكله أو جنسه أو عمره أو ثقافته أو ديانته أو أعرافه المجتمعية أو مستواه التعليمي وهكذا (...)».

وتوضح الحطاب أنه: «يجب أن يكون النقد من باب التطوير والمصلحة العامة والحرص على الآخر؛ لأن المستشار مؤتمن، وعليه أن يقدّر هذه الأمانة، أما من يستغل ذلك في التنمر على الآخرين فهو خارج عن منظومة القيم والأخلاق المجتمعية، ولا بد من مساعدته للعودة إلى الصواب أو على الاقل عدم استشارته أو الأخذ برأيه».

وخلصت الى أن الله -سبحانه وتعالى- فطر الإنسان على حب المديح والإعجاب بمن يثني عليه؛ لأن ذلك يحقق له حاجة إنسانية مهمة وهي حب الآخرين له، لذلك كان التعزيز من الاستراتيجيات التربوية الفعّالة في تدعيم السلوك الإيجابي للكبار والصغار على حد سواء على أن يستخدم ضمن الأصول التي نص عليها علم النفس التربوي، أما العقاب فله أصول تربوية علينا مراعاتها، ونحن جميعا بحاجة للدعم النفسي الذي يتمثل في العبارات الإيجابية التي تشجعنا على المضي قدما في رحلة الحياة.