إربد - أحمد الخطيب

لَم يقف الناقد والشاعر د. راشد عيسى على الدمعة كعنصر تأثير مادي ومعنوي لدى الشعراء، حين ذهب في محاضرته التي نظمها ملتقى إربد الثقافي بالتعاون مع رابطة الكتاب فرع إربد، إلى تتبعها في الشعر العربي قديمه وحديثه، بل وقف على جمالياتها، وتأسيس مناخاتها في العوالم الكونية المتعددة، ما أتاح للحضور الوقوف على المتخيّل الشعري الذي عاين في إشراقاته مدى حرص الشعراء والتفاتهم إلى هذه الغيمة المائية التي تتنزّل في سياقات متعددة تتأثر حسب اللحظة التي يعيشونها أو يتفاعلون معها.

المحاضرة التي أقيمت في مقر «كتّاب إربد»، وأدار مفرداتها الباحث د. خالد الشرايري الذي قال في معرض تقديمه للمحاضر بأن كيمياء الدمع لا يفهمها إلا الراسخون في العلم، مستزيداً في مداخلته بالاستشهاد بالنصوص الشعرية التي التفتت إلى هذه الكيمياء، حملت في متونها ومحاورها التي قدّمها الشاعر عيسى باقة من جماليات الدمع وتمحوراته.

الشاعر عيسى استهل محاضرته بالإشارة إلى الناحية العلمية للجهاز الدمعي المتمثل بـ: مكونات الدمعة، الغدد الدمعية، والعقل الذي يرسل إشارات إلى القنوات الدمعية، ليتماشى ذلك مع فكرته التي التقطها وهو يسبر أغوار هذه المفردة في النصوص الشعرية، مشيراً إلى طبقاتها الثلاث، وهي: طبقة خارجية زيتية، وطبقة وسطى مائية، وطبقة داخلية لزجة.

وعرض لأنواع الدموع، وهي: قاعدية موجودة على مدار اليوم، محايدة، ودموع عكسية تخرج عند إثارة العين بالتهيج بالغبار، ودموع عاطفية استجابة لمشاعر الفرح والحزن، ليكون الإنسجام والتوافق مع قراءته مبنيّاً على حدود المقاربة بين المفردة والدلالة.

ولفت النظر إلى أن للدموع مسميات، من مثل: دموع الأطفال وهي حالة خاصة بالبراءة، منوهاً أن هذه الدموع تتشابه مع دموع المرأة، ودموع البصل، ودموع التماسيح، ودموع الفرح، ودموع الفم، ودموع الأتقياء.

بعد مقدمته الوافية عن الدمع ومسمياته وأنواعه وتركيبه العلمي، ذهب الشاعر د. عيسى إلى معاينة البكاء في الشعر العربي، مستشهداً بعدد من الشعراء العرب القدماء، من مثل: امرؤ القيس في معلقته التي يقول فيها: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل، بسقط اللوى بين الدخول فحومل»، مبيناً أن البكاء الذي تضمنته المعلقة ليس إنزال الدموع إنما بكاء التحسّر والتفجع، فيما برز البكاء عند عبد الله بن الدمينة في قصيدته التي يقول فيها: «بكيت كما يبكي الوليد ولم أزل، جليداً وأبديت الذي لم أكن أبدي» حيث ظهر البكاء هنا في حلة الحنين الصادق سواء للحبيبة أو الوطن.

وتابع الشاعر عيسى وقوفه على الشعر العربي، واستخداماته للدمعة، مشيراً إلى دمعة الكبرياء، وكان من رموزها الشاعر أبو فراس الحمداني في قصيدته التي يقول فيها:«أراك عصي الدمع شيمتك الصبر، أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمر»، فيما ظهر ذلك في الشعر العربي المعاصر في قصيدة «لا تكذبي إني رأيتكما معاً، ودعي البكاء فقد كرهت الأدمعا» للشاعر كامل الشناوي، وغيره من الشعراء المعاصرين.

كما عاين محاور أخرى من الشعر العربي التي وقفت على: البكاء على الأطلال، وبكاء الجمادات التي أنزلها الشعراء منزلة العاقل، وبكاء المجردات والمعنويات، إلى ذلك عاين الشاعر د. عيسى جماليات الدمع، ملتفتاً بهذا السياق إلى القصيدة التي مطلعها: «وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقتْ ورداً وعضّت على العناب بالبرد»، وغيرها من القصائد التي شكّلت لوحات فنية متخيلة للدمعة، كما استشهد بأبيات شعرية خاصة له تتناول الدمعة في مجمل تجلياتها النفسية والوصفية والجمالية، كقوله:«حين شربتُ الدمع من عطشي».