لم يكن ما يحدث في لبنان من تفجر لغضب طال كل الزعماء على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم، بمستغرب بل المستغرب تأخره حتى اللحظة، بالنظر لفداحة الاسباب وكثرتها التي اودت بهذا البلد الجميل الى هاوية البؤس واردته مضرجاً بازمات لايعرف اولها من اخرها فكانت النتيجة كما عبر أحد المحتجين أن الشعب جاثم حتى شبع جوعا.

ولن يكون مستغرباً ايضاً ان ينفجر الوضع في اي بلد عربي آخر لان المشهد اللبناني مع اختلاف بسيط في الخصوصية يصلح للاسقاط على معظم الساحات العربية، فالأنظمة الفاسدة تمارس نفس المفاسد والشعوب المقهورة تدفع الأثمان.

اما لماذا وصل حال العرب الى هذا الدرك الاعمق من الهوان والتخلف والسير الى الوراء فيما الشعوب الاخرى تنعم بقدر اكثر من الحرية والديموقراطية والحقوق الانسانية والعيش بكرامة مكفولة للجميع وبتوافق الجميع دون سعي أحد أو جهة للتميز او الكسب الزائد عن الآخرين؛ الإجابة على السؤال ليست عند الشعوب بل عند من يتولى امر هذه الشعوب دون تفويض او تمثيل حقيقي وبغياب شبه تام لأدوات الرقابة والمحاسبة ما أطلق أيدي الحكام وشللهم الملتفين حولهم للتصرف بالأوطان وكأنها مزارع او اقطاعيات خاصة كما في العصور المظلمة، عندما كان أصحاب?النفوذ يملكون الارض وما عليها ويستعبدون البشر جيلاً بعد جيل ينطبق هذا التوارث على الظالم والمظلوم، العالم انتفض على هذه البشاعة في العلاقة بين الانسان والانسان واقام بدلاً منها علاقة تقوم على العدل والمساوة وصار حق الانتفاع بمقدرات الوطن وخيراته لكل الناس بلا اية فوارق الا بمقدار اجتهاد المجتهدين الذين يقدمون لأوطانهم اكثر من غيرهم ويحصلون بالتالي على مكاسب تفوق تلك التي يحصل عليها من لا يقدم او يتقدم مثلهم، المشكلة ان العرب صغيرهم وكبيرهم المتعلمين منهم والاميين يعرفون هذه الحقائق ويعرفون كل وصفات الخلاص ?ن حالتهم التي لا تسر الا اعداءهم وهذه صورة تبعث على الحيرة خصوصاً عندما تصدر الشكوى من الحاكم قبل المحكوم او منهما معاً حتى بات الاهتمام العام والخالص بالشكاوى المتبادلة كما لو انها مسألة سوء فهم بين زوجين على قضية بسيطة.

ان ما يعتبره الحكام خدرا او خمولا عند الشعوب تمنعهم من الانتفاض اكثر من وهم وتعام عن الحقيقة والامثلة كثيرة وغير بعيدة زماناً ومكاناً. وما كانوا يرتكزون عليه من ادوات اسكات ومهدئات للناس سواء عند فقدانهم لعقولهم واعصابهم التي ما عادت تحتمل المزيد من الضغوظ لم يعد صالحاً لاقناع الناس بالخلود الى السكينة وانتظار تنفيذ الوعود التي تنهال وبسخاء بعد كل احتجاج.

لبنان البلد والشعب كان منارة للثقافة والمعرفة والحرية فهل يكون لبنان المنتفض منارة ونموذجاً لتكريس الحرية والقضاء على الفساد والاستبداد وليس فقط في ساحته التي اصبحنا داخلها وفيها بل وفي كل الساحات العربية التواقة شعوبها للخلاص من ذات الاسباب والمواجع التي ثار من اجلها اللبنانيون.