كتب - المحرر السياسي

فيما طوى التونسيون بنجاح أثار الإنطباع في معظم دول العالم, وأضفى احتراماً وتقديراً للتجربة التونسية الحضارية في تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية, اتّسمَتا بالنضوج والسلوك الملتزم القانون واحترام ارادة الشعب, التي تجلت في ايصال رئيس غير معروف في الوسط السياسي استطاع الوصول لقصر قرطاج بأسلوب مُختلف وغير مسبوق, عندما جاء من «المجهول» وتقدّم الصفوف مدعوماً من قاعدة شعبية, التفّتت الى خطابه واحتضنته, بعد ان أدارت ظهرها لحيتان المال وفرسان احزاب لم تنسجم ممارساتها مع خطابها السياسي, ووُعودها التي تبخّرت بعد وصولها?الى السلطة, ناهيك عن رفض التوانسة المُترجَم عبر صناديق الاقتراع لتحالف احزاب ما بعد سقوط نظام بن علي، هذا التحالف الذي لم ينعكس ايجاباً على مُشكلات وهموم التوانسة في لقمة العيش وفرصة العمل وتقديم الخدمات وتوفير الرعاية الصحية والتعليم الجيد, بل بدأ وكأنهم اختاروا اقتسام الكعكة وترك التونسيين لمصيرهم كما كانت الحال في عهد الديكتاتور الراحِل.

في خضم ذلك المشهد التونسي الجميل الباعث على الدهشة والاحترام, تبرز الحال الجزائرية على نحو مُقلق مع اقتراب استحقاق الثاني عشر من كانون الاول الوشيك, بما هو الموعد الذي حددّه الرئيس الجزائري المُؤقت عبدالقادر بن صالح لانتخاب رئيس جديد للجمهورية, يحل في قصر المرادية بديلاً عن الرئيس المتنحي عبدالعزيز بوتفليقة, الذي اضطر للرضوخ لمطالب واحتجاجات واعتراض الجزائريين, بعد خروجهم الى الميادين في الثاني والعشرين من شباط الماضي وحتى الان, قائلين «لا» لحقبة بوتفليقة ورموز مرحلته, الذين بات بعضهم في السجون فيما ما تزا? المُلاحقات مُتواصلة لجلب المزيد من رموز الفساد الى مُحاكمات قد تُفضي الى سجنهم ومصادرة اموالهم.

يبرز بعد الاسبوع رقم «35» من الاحتجاجات الجماهيرية والطلابية العارمة المتواصلة من 22 شباط الماضي.. موقفان: الاول الذي تُعبّر عنه خطابات ومواقف الرجل القوي في المشهد الجزائري المُستجد بعد اعتقال رجالات بوتفليقة, الذين باتوا يُوصَفون بـ«العصابة» ونقصد هنا قائد الجيش الجنرال احمد قايد صالح, الذي يُواصل زياراته لقطاعات الجيش وفِرقِه العسكرية معلناً مواقف تُصرّ على إجراء الاستحقاق الرئاسي في موعده, مبديا تفاؤله «بتنظيم الانتخابات في موعدها المحدّد, قائلاً في شكل حاسم يستبطن إصراراً على اجرائها مهما كان الثمن: «?ن مؤسسة الجيش مُتيقِّنة كل اليقين بان قطار الجزائر تم توجيهه نحو الاتجاه الصائب, التي يرتضيها اخيار الوطن بفضل تضافر الجهود والثقة المُتبادّلة بين الجيش والشعب» ولم يتردّد في الثناء والإشادة بـِ«القرارات الشُجاعة التي اتخذتها قيادة الجيش منذ بداية الازمة» حيث أثبتت الايام «مصداقيتها» (كما قال), لأنها تصّب جميعها في مصلحة الشعب والوطن، مُعتبِراً ان «إحداث السلطة المستقلة للإنتخابات, شكَّل حجر الزاوية لعوامِل نجاح السباق الرئاسي المُنتظَر والحاسِم».

في مُقابل تفاؤل رئيس المؤسسة العسكرية، الذي يُبدي دعماً لافتاً لرئيس الدولة المؤُقّت ولحكومة نور الدين المؤقتة, التي تتعرّض لانتقادات لاذعة وقوية من الشارع ومن احزاب وشخصيات المعارَضة, بعد اقرارها قانون المحروقات الذي يدعمه الجنرال قايد صالح, ويعتبره «إضافة حقيقية من شأنها إنعاش الاقتصاد الوطني وإعطاء نفَس جديد للاستثمار في مختلف القطاعات الاقتصادية والانتاجية»، تبرُز الى الواجهة المُعارَضة الشرِسة والقوية للقانون ولإجراء الانتخابات الرئاسية ايضا, وبخاصة في إصرار «19» شخصية سياسية وطنية معارِضة, بيانا حفِل بكثير من الرسائل والمطالِب الداعية الى اتخاذ اجراءات التهدِئة, لتوفير الشروط الضرورية لاجراء انتخابات حرّة وشفاّفة و?لإستجابة لمطالب الحراك, برحيل رموز النظام والقضاء على منظومة الفساد بكل أشكاله وإطلاق سراح معتقلي الحراك».

ثمّة هوّة واسعة تفصل بين الطرفين, وبخاصة ان الشخصيات التي أصدرَت البيان الشهير الذي تصدّى خصوصا لقانون المحروقات, وأبدى تخوفا وريبة بعد إقراره من قبل حكومة نور الدين بدوي التي احالته لمناقشة البرلمان, لا تُعارِض الانتخابات الرئاسية من حيث المبدأ, بل تطالب بتأجيلها وتوفير الاجواء الملائِمة لاجرائها, ما يحول بالتالي دون اتهامِها بانها تُعارض من اجل المعارَضة, بل هي في بيانها تتّكِئ على الحراك الشعبي واستمراره منذ ثمانية اشهر, على نحو يُصِر فيه على بسط سيادة الشعب على الدولة ومؤسساتها, وهي في الوقت ذاته تعطي ?جابة واضحة ومقنعة – كما جاء في البيان – بان المَسار الذي انطلق يوم 22 شباط الماضي لم يكتفِ بإسقاط الولاية الخامسة فقط (أي نية الرئيس المُستقيل بوتفليقة الترشّح لعهدة خامسة) بل – أضاف البيان – كل الممارسات التي أوصلَت البلاد الى ما هي عليه اليوم, والتطلّع الى عهد جديد قوامه دولة القانون بمعايير بيان اول تشرين الثاني 1954».

للشخصيات الـ«19» التي وقّعت البيان ثِقلها السياسي والوطني, الذي يؤخذ في الاعتبار ومنها وزير الخارجية الاسبق احمد طالب الابراهيمي ورئيس الحكومة السابق احمد بن بيتور, ومُنسِّق مؤتمر المعارضة عبدالعزيز رحابي, ورئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الانسان نور الدين بن يِسعد وعضو جمعية العلماء المسلمين كبرى المرجعيات الدينية في الجزائر الشيخ الهادي وغيرهم.

في الأثناء ثمة «140"مرشحاً قدموا اوراقهم للمنافسة في السباق الرئاسي, ابرزهم رئيسا الحكومة السابِقيْن علي بن فليس وعبدالمجيد بتون, ووزير الثقافة السابق عز الدين مهيوبي ورئيس حزب التحالف الجمهوري بلقاسم ساحلي والاعلامي سليمان بخليلي، فيما حدّدت السلطة الوطنية للانتخاب يوم 25 تشرين الاول الجاري, موعدا اخيرا لتقديم الوثائق لاستكمال شروط الترشح، ترافق ذلك كله مع تعهّد رئيس السلطة الوطنية للانتخابات محمد شرفي (وهو وزير عدل سابق) بضمان نزاهة الانتخابات الرئاسية المقبلة, كاشفا ان الهيئة تتّجه نحو استخدام وسائل جدي?ة لم تُستخدَم سابقاً لمنع حدوث اي تزوير في الانتخابات.

مضيفاً في إعتراف واضِح بان تزويراً حدث في حقبة بوتفليقة، «مَن يشك في نزاهة الإقتراع ويَظن ان التزوير الذي كان يُهدد مصداقية الدولة في ما قبل، مُمكن هذه المرة نقول له: لن يكون ممكناً مهما كانت أطماع البعض وإرادتهم قويّة, لان السد المنيع الذي وضعناه وسنُعلن عنه قريبا.. سيَمنع ذلك».

في الخلاصة.. الجدل والسِجالات مستمرة, ولا احد بمقدوره الجزم لأي وجهة نظر او موقف سيكون قصَب السَبق حتى الثاني عشر من كانون الاول المقبل، غير ان مُواصلة الجزائريين التزام قواعد الاشتباك السلمي والحضاري الذي واظبوا عليه منذ ثمانية اشهر, يدفع للإعتقاد ان حلاً وسطاً سينضُج قبل ذلك التاريخ, يحول دون ذهاب الجزائر الى مُربع الفوضى والمجهول, وخصوصاً التدخّلات والإملاءات الأجنبية.