كييف - طارق الحميدي

رسمت الطبقة السياسية الجديدة الحاكمة في أوكرانيا، الخطوط العريضة لبرنامج من السياسات الجذرية التي تهدف إلى توسيع حجم الاقتصاد الأوكراني وزيادة الاستثمار الأجنبي والبناء على ما تم انجازه في الفترات السابقة في مختلف المجالات، بهدف استكمال مسيرة التطور المتسارعة في أوكرانيا.

وأظهرت أوكرانيا دورها المهم في عدد مجالات أساسية على مستوى العالم.

وتعتبر أوكرانيا، شريك عالمي مهم في أمن الطاقة والتعاون الدولي، خاصة مع امتلاكها واحدة من أكبر أنظمة نقل الغاز في العالم بسعة تزيد على 6 تريليون قدم مكعب في العام، بالإضافة لامتلاكها أكبر مخازن الغاز في القارة العجوز مع ثلث احتياط أوروبا. كما أنها بدأت عصراً جديداً في تعزيز قدرتها في الاعتماد على الطاقة المتجددة سواء تلك المولدة من الرياح أو الطاقة الشمسية، وفي حين تعزز أوكرانيا قدراتها بالتحول نحو الاعتماد على الطاقة المتجددة حتى في مجالي التشريعات والتسهيلات الجمركية، إلا أنها تحتفظ في ذات الوقت ببرنامجها?النووي للغايات السلمية والطاقة، وذلك لتنويع سلة الطاقة.

أوكرانيا سلة الغذاء الأوروبية

ولطالما عرفت أوكرانيا بأنها سلة الغذاء الأوروبية كما أنها مؤهلة لتصبح سلة الغذاء العالمية، مع ما تمتلكه من إمكانيات ضخمة في إنتاج المحاصيل الزراعية، وبحسب وزارة الزراعة الأوكرانية فإن 33% من تربة العالم السوداء والتي تعتبر الأجود للزراعة في العالم توجد في أوكرانيا، التي تعد واحدة من أكبر عشر دول المصدرة للمحاصيل الأكثر شعبية واستهلاكاً في العالم وهي المحاصيل الأساسية التي تعتمد عليها شعوب الكرة الأرضية من زيت عباد الشمس والذرة والشعير والقمح.

تكنولوجيا الفضاء والصناعات الجوية والعسكرية

وكغيرها من المجالات تميزت أوكرانيا بتكنولوجيا الفضاء والصناعات في المجال الجوي خاصة مع امتلاكها طائرة أنتونوف أوكرانية الصنع التي تم تصميمها لتقوم بشحن البضائع ذات الحجم الضخم أو الثقيلة جداً حتى وزن 250 طنا وبطول يمكن أن يصل إلى 70 متراً، كما أنها تملك عجلات هبوط تفوق أي شاحنة تسير على الأرض (32 عجلة ضخمة) وتقوم شركة أنتونوف بتصنيع الطائرات المستخدمة في نقل صواريخ SpaceX الأميركية.

وعرضت أوكرانيا شراكتها في برنامج أرتيمس Artemis للرحلات الفضائية التابع لوكالة ناسا، ويهدف إلى الهبوط على منطقة القطب الجنوبي للقمر, وقامت بتصنيع أول هيكل لصاروخ انتارس (Antares) التابع لأوربيتال أي تي كي (Orbital ATK) الأميركية.

تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني

وتعتبر أوكرانيا أحد أكثر الدول تصديراً للطاقات البشرية في مجالات تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني والتكنولوجيا الحيوية، وتفوقت على العديد من الدول المتقدمة تكنولوجياً، وتعتبر القوة رقم واحد في هندسة البرمجيات في أوروبا الوسطى والشرقية والمركز الثالث عالمياً في تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني، ما جعل منها قبلة للباحثين عن هذه الطاقات للعمل في أهم الشركات العالمية.

وتزخر أوكرانيا بالعلماء في هذا المجال الذين غيروا وجه العالم بابتكاراتهم ومن أشهرهم سيرهي كوروليوف وجورج جامو وإيهور سيكورسكي، كما تتمتع أوكرانيا أيضًا بقدرة عالية في العديد من العلوم الأساسية والتطبيقية مثل الرياضيات ، والفيزياء ، والتكنولوجيا الحيوية ، والذكاء الاصطناعي.

المساهمة في تعزيز الأمن والسلم العالمي

منذ استقلالها، أظهرت أوكرانيا التزامًا قويًا فيما يتعلق بسياسة حظر الانتشار النووي، حيث تبنى برلمانها سياسة غير نووية، والتي تضمنت أن يتخلص البلد من هذه الأسلحة، وصوت البرلمان في 1994 على أن يصبح البلد خاليا من الأسلحة النووية، وفي ذلك العام وقعت أوكرانيا على مذكرة بودابست الدولية، التي تضم روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا، التي وافقت من خلالها على تفكيك مخزونها من الأسلحة النووية بشكل طوعي.

وقامت أوكرانيا في هذه الخطوة بالتخلص من ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم من الأسلحة النووية في ذلك الوقت، بالإضافة لمخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب ، وهو ما يظهر جدية أوكرانيا في التزامها الأخلاقي ودعمها التوجهات الدولية لإيجاد عالم يخلو من أسلحة الدمار الشامل.

ومع مرور الوقت بدأت تتجسد سياسياً، رغبة كييف في إقامة علاقات أوثق مع الاتحاد الأوروبي، والعالم الغربي، وتسير أوكرانيا بخطى متسارعة في مساعيها للحصول على عضوية الناتو، وتشارك في جميع عمليات حفظ السلام التي يقودها حلف شمال الاطلسي، وتنفق قرابة 3% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع.

ولا يعني أن تكون مساعي أوكرانيا - أكبر دولة أوروبية من حيث المساحة - لإحلال السلام، تغاضيها عن تعزيز قدراتها الدفاعية، حيث أنشأت جيشًا قويًا وبقدرات كبيرة بدأتها من نقطة الصفر عند الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي عام 1991.

جميع إنجازات أوكرانيا، و مسيرتها الحالية بالاضافة لموقعها الجيوستراتيجي تجعل من مستقبلها واعد ووجهة للشراكة على مستوى الدولي في جميع المجالات، وبلا شك أن منطقة الشرق الاوسط بشكل عام و الاردن على وجه الخصوص قد تستفيد كثيراً من ابرام شراكة طويلة الأمد مع هذه الدولة الاوروبية الطموحة خاصة و ان أوكرانيا قادرة لتلبية احتياجات و مساعدة الشرق الاوسط في الحلول التكنولوجية و التقدم الاقتصادي و القدرات الدفاعية المتطورة .