أبواب -الدكتور عامر العورتاني

تعتمد العلاقات الإنسانية على تفهم حاجات الفرد والجماعة، وبالتالي تسعى إلى إشباع تلك الحاجات الفردية في ضوء الأهداف العامة والمعايير الاجتماعية.

مرت العلاقات البشرية بمراحل تطور متعددة حتى وصلت الى ما هي عليه الآن، محدثة سلسلة من التغيرات الاجتماعية والثقافية والمتغيرات والتحولات في العناصر المختلفة لمسار الحياة البشرية.

إن تاريخ الإنسانية في واقع الأمر، تاريخ للتغير الاجتماعي والثقافي، والتغير الاجتماعي يمس جوانب الحياة المادية والمعنوية على حد سواء، ويؤثر على الأفراد والجماعات والمجتمعات، ويمس العادات والتقاليد والثقافات، كما يرتبط بالمدنية والتنمية والنمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي، إضافة إلى المساس بالتنشئة الاجتماعية وطريقة الحياة.

يمثل التغير الاجتماعي عملية اجتماعية يتحقق عن طريقها تغير في المجتمع بأكمله، بما في ذلك نظمه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والتغير الاجتماعي عملية مستمرة تمتد على فترات زمنية متعاقبة يتم خلالها حدوث اختلافات أو تعديلات معينة في العلاقات الإنسانية، أو في المؤسسات، أو الأدوار الاجتماعية، فهو ظاهرة طبيعية تخضع لها نواميس الكون وشؤون الحياة من خلال التفاعلات والعلاقات الاجتماعية والتي تفضي إلى تغير دائم.

إن المجتمعات الإنسانية متغيرة بطبيعتها، وإن التغيير سمة من سمات عناصرها الاجتماعية، فالظواهر الاجتماعية في المجتمع دائمة التغيير وما يترتب على هذا التغيير من أنماط اجتماعية وثقافية جديدة سواء في الظواهر الاجتماعية أو السلوك الاجتماعي.

إن معدلات اتجاه التغيير وطبيعته تختلف من مجتمع لآخر، ولقد كان اهتمام الباحثين إلى وقت ليس ببعيد منصبا على دراسة ظاهرة الاستقرار الاجتماعي باعتبارها من الظواهر الإجتماعية الكبرى، وذلك لمعرفة مكوناتها وعناصرها الثقافية والاجتماعية، ولمعرفة طبيعة العلاقات الاجتماعية من خلالها.

كشفت الدراسات الميدانية الأنثروبولوجية والاجتماعية بصفة عامة عن أن المجتمعات التي يعتقد بأنها كانت ثابتة في عناصرها، إنما هي متغيرة، وتغيرها قد يكون بطيئا لم تتم ملاحظته، حيث ثبت أنها مجتمعات ديناميكية متغيرة، ما أدى إلى زيادة الاهتمام بهذه التغيرات الاجتماعية التي تصيب المجتمعات البشرية وخاصة فيما يتعلق بعلاقة التغير الاجتماعي بموضوع الجريمة بشكل عام وعنف الجريمة بشكل خاص.

اكتسب التغير الاجتماعي في العصر الحديث أبعادا جديدة تمثلت في عمق التأثير في مختلف مناحي الحياة، بل رسم ملامح كاملة لعالم جديد.

إن أهمية التغير الاجتماعي لا تأتي فقط من مدى تأثيره وشموليته وكثافته، بل من الآثار المترتبة عليه، وخاصة في مجال المشكلات الاجتماعية، فزادت الجريمة وتنوعت مع تنوع العادات وتغير القيم ، والتي تعتبر محددات للسلوك الاجتماعي.

اهتم العديد من المفكرين في مجال العلوم النفسية والاجتماعية بتفسير الانتهاكات والتجاوزات التي تقع على القوانين أو التي تمس العادات أو الأعراف أو القيم، وتصل إلى مستوى عدم الامتثال للقاعدة القانونية والتي تتم معالجتها غالبا من زاوية الانحراف والتنشئة الاجتماعية.

تشكل الجريمة موضع اهتمام العديد من الباحثين الذين قدموا تفسيرات متعددة، وحاولوا إيجاد الحلول للتحكم بها والسيطرة عليها لضمان استقرار وأمن المجتمع، وهي تتعلق بنسق المجتمع وبمؤسساته، ويرتبط تعريفها بتحديد واقع المجتمع وظروفه، وعلى هذا الأساس يجب دراستها باعتبارها سلوكا اجتماعيا.

إن ظاهرة الانحراف يمكن تحليلها على ضوء ميكانيزمات اجتماعية مختلفة، يعتبر البناء الاجتماعي أولها، لفهم العلاقة بين الجريمة والتغير الاجتماعي.

يمكن القول إن الجريمة تعتبر مؤشرا على درجة اعتلال أو سلامة المجتمع، وعلى أمنه واستقراره، وهو ما يجعلها موضع اهتمام علم الاجتماع لارتباطها ببنائه وأنساقه الاجتماعية، ولكونها تعكس ظروف المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافية، كما وتعكس قيمه وأدواره وأنساق الضبط فيه.

وتمكننا الجريمة إلى جانب ذلك من دراسة السلوك الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، والتحديات التي تواجهها المجتمعات في طور النمو من مشاكل وعراقيل للتنمية، فالتنمية في بعض المجتمعات لم تسلك المسار الذي ينطلق من الإنسان ويعود إلى الإنسان، مما نتج عنه مجموعة من الاختلالات التي مست البناء الاجتماعي والنسق الاقتصادي، فمشروع التنمية لم يعمل على استيعاب متغيراته، ولم ينجح في دمج الشباب في البناء الاقتصادي.

ولمحاولة فهم وتحديد التغير الاجتماعي، من الضرورة ملاحظة التغيرات ودلالتها من حيث العلاقة بالبناء الاجتماعي، والمؤثرات التي ساهمت في إحداث التغيير، وترجع عوامل التغيير إلى عدة عوامل مجتمعة، منها ما هو طبيعي بيولوجي ومنها ما هو نفسي واجتماعي وثقافي واقتصادي.

يمكن القول إن المدنية الحديثة أدت إلى ضعف وأحيانا اختفاء الصور الوثيقة الصلة بنظام الأسرة الممتدة، وأحدثت تغيرا في القيم الاجتماعية التي كانت سائدة فيما سبق، هذه القيم كانت تحول بين الفرد وبين الانحراف في ظل البيئة التقليدية، حيث تسود العلاقات الشخصية الطابع.

إن الانتقال من الأنماط التقليدية إلى أنماط الحياة المدنية الحديثة أكسب الأفراد طرقا جديدة في الحياة وقيما مستحدثة، قد يكون لها تأثير بشكل أو بآخر على ارتكاب السلوكيات المنحرفة.

إن الإنسان المعاصر، يجد نفسه أمام معطيات جديدة فرضت نفسها كأسلوب حياة، تتميز بوجود صراع ثقافي، وازدياد في النمو السكاني، والتركيز على القيم المادية، وضعف الضبط الاجتماعي التقليدي، فقد أشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة في العام 1970: «إلى أن التمدن يتضمن كل أنواع التغير بما فيها أنماط توزيع السكان، وتقاليد العمل والسكن والترفيه، وزيادة تعقد الحياة، وسطحية العلاقات الإجتماعية، وظهور ثقافات فرعية، وعدم مراقبة السلوك، الفقر، وزيادة فرص ارتكاب الجرائم وفرص أقل في كشفها).

وبناء عليه، يمكن القول أيضا إن التمدن السريع يؤدي إلى اللاتجانس وتباين القيم الناتج جزئيا أو كليا عن التقدم التكنولوجي وتطور وسائل الاتصال المرئية والمسموعة والمكتوبة، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما أدى إلى وجود العلاقات العابرة غير الوثيقة والتي لا تمنح الفرد شعورا بالطمأنينة، مما أنتج ضعفا في التجانس وتراجعا في الضبط الاجتماعي للوقاية من الجريمة.

وأمام هذه العلاقات الأقل شخصية وارتباطا والأكثر ابهاما فإن الروابط الأسرية التقليدية والقيم الروحية ستضعف كذلك، كما أن القيم المادية تسيطر على العلاقات الاجتماعية وتزيد من الشعور بالاغتراب، وعندما ينعدم شعور الفرد بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية أو القانونية تجاه الآخرين، فإن اهتمامه ينحصر عندئذ فيما يمكن أن يفعله دون التعرض للعقوبة.

يمثل فقدان الرقابة والضوابط، أحد أهم العوامل للمرور إلى الفعل الإجرامي، فيجد الفرد نفسه ممزقا بين القيم التي نشأ معها وبين ما يعايشه في الوضع الجديد، إضافة إلى المعاناة المادية المرتبطة بالبطالة وغلاء المعيشة وقلة أو انعدام الدخل المادي والتكاليف غير المتوقعة.

كل ما سبق من الأمور يسبب خيبة الأمل والإحباط الناتج عن الفشل في تحقيق المتطلبات، والوصول إلى الغايات المرجوة، وسط الأغلبية التي عجزت عن تحقيق أهدافها، لا سيما في ظل التهافت على جمع المال وتمجيد القيم المادية، ما يؤدي بالكثير من الأفراد إلى خرق القانون، وبالرغم من ذلك فإن هذه الظروف لا تؤدي بشكل حتمي إلى الجنوح في حال توفر الدعم العائلي والضبط الداخلي لدى الفرد.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التغير الاجتماعي الذي فرضته مقتضيات الحياة العصرية وانفتاح الثقافات، أثر على نطاق الأسرة وجعلها تنتقل من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، مما أثر على وسائل ضبط السلوكيات الفردية، ومجال المساعدة الاجتماعية، فنتج عن ذلك كله تغير في وظائف الأسرة من ناقلة للقيم والتربية إلى مجرد حاضنة للجانب المادي، خاصة مع دخول مؤسسات التنشئة الاجتماعية كشريك أساسي منافس الدور الأسرة، بل جاعلا إياه في كثير من الأحيان دورا ثانويا.

يؤدي التحضر السريع وسطحية العلاقات الاجتماعية واللاتجانس، إلى تباين القيم والمعايير في الجماعة والصراع بين الأدوار الاجتماعية، حيث أصبحت أهداف الجماعات المختلفة في المجتمعات الحديثة قائمة على الصراع، بفعل عدم قيام الأفراد بالتصرف بالطرق الملائمة والمتعارف عليها اجتماعيا وابتعادهم عن أدوارهم الاجتماعية المنوطة بهم.

أخصائي علم اجتماع