تأبى العِصيُّ إذا اجتمعنَ تفرّقًا، وبعد التفرّق تتـكسر العـصيّ والذّاتُ والمجتمعات، ولو اجتمعن لمئات السنين، فتلك هي خلاصة مبدأ: الاتحاد قوّة. الذي ينادي به الحكماء والعقلاء، ويطبّقه القادة والسادة، ويرعاه المخلصون من أولئك جميعا، لأنّهم هم المعنيون برفع الراية ومسيرة العطاء، والوقاية من كلّ مكروه.

وفي زمنٍ تكالبت علينا الهموم، وازدحمت الضغوطات، نجد أنّ التنافس بين الأمم على أوَجِه في شتى ميادين الحياة، وحتى نتقدم خطوة ونحظى حظوة لا بدّ لنا من التماسك المجتمعيّ والوحدة الوطنية والاتحاد بقوة الثوابت، وأن لا نركن على المخزون الاحتياطي من كلّ شيء فينفد ما عندنا ونصبح نستجدي الآخرين من كلّ شيء، في موقف لا يُحمد عقباه.

وإننا في الأردنّ نمتلك الشجاعة والحكمة والرشد في مراتبها متقدمة يحسدنا الناسُ عليها، ومن الحكمة أن نقرأ ما بين السطور، وأن نعرف ما ننتقد أو ما نهاجم، وفي المقابل نعرف من هو الذي يستحق الوقوف إلى جنبه، والتفاني لأجله، فالوطن لنا جميعا، والهموم يحلحلها أهل الحلّ والعقد، وليس ارتجالٌ واستعجال.

ومن العقبة جاءنا درسٌ حكيم، يغوص بنا في أعماق البحر ليؤكد لنا بأنّ الوطن أغلى ما نملك وأن الإنسان الذي يريد أن يتكئ على أريكته ويحلّ المشكلات، فتلك من المستحيلات فما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب، فالإنسان وحمايته ودلالته على الخير لا تكون بإطلاق الألسن على الوطن وثوابت الوطن ومتعلقاته الرسمية وغير الرسمية.

وفي العقبة.. كانت مبادرة لتنظيف مياه الشاطئ من الأخطار والأكدار، ضمن مبادرة رائعة، فجاء الأروع منها وفيها: مشاركة جلالة القائد الأعلى وولي عهده الأمين في الغوص في الأعماق، لإنجاح المبادرة وتشجيع العمل لأجل الوطن.. كلّ الوطن.

وإنني كأردنيٍّ أفخر وأفاخر بمبادرات الملك وتشجيعه للشباب والعاملين في العطاء لأجل الأرض والإنسان، وفي هذه المبادرة تأملت فيها الشيء الكثير، وخلُصتُ إلى استقراءٍ لدرس الغوص الملكيّ، وكيف أنه درسٌ موجَّه إلى الشعب الأردنيّ، ومما قرأته من ثنايا هذا الدرس، ما يلي:

أولا: الغوص في الأعماق يعطينا بعدا آخر في إزالة العقبات وإنعاش العقبة، لتكون ساحلا لبحر يوصلنا إلى العالم ويصل العالم بنا.

ثانيا: أنّ القائد يرى أنّ الأعماق فينا تحتاج إلى مراجعة في القول وسداد في العمل، وأنه لا يمكننا رؤية الأخطار ونحن ننظر إليها خارج الإطارين: الزماني والمكانيّ، مما يتحتم على الذين يدّعون معرفة كلّ شيء مراجعة كلّ شيء قبل النطق بأيّ شيء.

ثالثا: الذين يعملون ويكدون ويتعبون، قد يُنتقدون فذلك لا يمنعهم من مواصلة العمل بإخلاص لأجل الوطن، ففي مبادرة جلالته دليل على الوقوف جنبا إلى جنب مع أولي العزيمة ممن يتعبون لأجل الوطن.

رابعا: الغوص يكون لأجل الدرر، ولكن أحيانا يكون لإزالة الكدر، فالحياة يوم ويوم، فلا بدّ أن نتعلم الصبر على الضيق حتى يأتي الفرَج من الله تعالى. فليست كل أيامنا دررا، لكننا يدا بيد تكون الدرر نتائجها.

لقد تعلمنا الشيء الكثير من المليك المفدى، في دروسٍ تبني فينا العزيمة والإصرار على مواصلة درب الحياة في وطن عزيز، في أعماقه الشيء الكثير الذي يغنينا عن استجداء الآخرين، فقط نحتاج إلى تكاتف وعمل بإخلاص.

agaweed2007@yahoo.com