كتب - ناصر الشريدة

عندما تظهر آلاف من طيور السنونو وقت الغروب على كوابل اعمدة الكهرباء بديرابي سعيد، يشعر المارة والتجار بالسوق التجاري، أن الشمس تستأذنهم بالغياب وراء الجبال، ليفرش الظلام خيوطه، ويسكُن الطير والشجر والبشر إلى الهدوء.

وعلى مسافة تتجاوز 500 متر، تبدأ آلاف من طيور السنونو رحلة الخلود إلى النوم بالتزامن مع غروب الشمس وقبيل تشغيل وحدات الانارة بشارع ديرابي سعيد الرئيس بقليل في ظاهرة يومية تلفت انتباه واهتمام المارة والسائقين والباعة.

ويمتلئ الفضاء المحيط بشارع ديرابي سعيد بزقزقة الطيور التي تعلو على صوت المركبات، عاكسة جماليات موسيقية تدفع الشخص للوقوف والتأمل وذات الوقت التساؤل والاستغراب من تشكل هذه الظاهرة بين دوارين، وسط البلدة إلى الجامع الكبير.

وقال التاجر يوسف بني ارشيد وهو يراقب خلود الطيور إلى مسكنها على خطوط اعمدة الكهرباء، إن هذه الحالة متكررة منذ اعوام، حيث بتنا نلمس بشعور لا ارادي حين نسمع زقزقتها أن الشمس اوشكت على الغروب، وبدأ سكون الليل في قالب يسيطر عليه احيانًا ضوء القمر الجميل ذي الشجون الذي تريح القلوب والنفوس.

وتحط طيور السنونو ذات الالوان الاسود والرمادي واحيانًا الاحمر والازرق، على طول كوابل اعمدة الكهرباء المغلفة والمجدولة، تجدها تصطف بشكل منتظم وبسلسلة كائنية حية يبهرك المنظر وتجليات الخالق في أن تغط في سبات الليل مطمئنة مبتهلة وداعية لربها دون ان يصيبها اذى.

ويحلو لكثير من اهالي بلدة ديرابي سعيد تسمية شارع بلدتهم الرئيس بين دواري الوسط والمسجد بشارع السنونو، بسبب كثرة الطيور التي لا تفارق منامها إلا عندما تشق خيوط الشمس الذهبية عتمة ليلها، وتبدأ رحلة النهار للبحث عن رزقها.

ويفرح الباعة في لحظات يصفونها بالذهبية كما يقول محمد الصفوري، حين يشاهدون حركة آلاف من طيور السنونو، وهي تقوم بحركات هبوط بهلوانية على اماكن نومها تستغرق لعدة دقائق، بعدها يسدل ستار الليل ويعم الهدوء وكأن المكان في سبات عميق لا زقزقة ولا طيران، وهنا تكمن فرحتهم، بعد ان امضوا دقائق جميلة يشاهدون فيها حالة من الاستغفار الرباني.

ويشهد شارع السنونو بدير ابي سعيد هالة عظيمة من الاستغفار و«التسبيح حسب المواطنين، تصديقًا لقوله تعالى في محكم التنزيل » ألم تَرَ أنَّ الله يُسَبِّحُ له منْ في السَّمواتِ والأرضِ والطَّيرُ صافَّاتٍ كلٌّ قد عَلِمَ صلاتَهُ وتسبيحَهُ والله عليمٌ بما يفعلون» صدق الله العظيم.

وتعد السنونو من الطيور المهاجرة والشعبية وتفضل العيش بالمناطق الدافئة ومنتشر بكثرة في العالم، وتتميز بخفة الحركة في الطيران، وجسم نحيل طويل، واجنحة طويلة، وذيل متشعب، لديه ريش جذاب بألوان الأزرق والأسود والأحمر، وأجنحة سوداء والذيل شاحب سفلي، والطيور الذكور والإناث متشابهة جدًا في المظهر.

ويشير عدد من عمال الوطن بديرابي سعيد، إلى أن اثر مخلفات تلك الطيور تدلل أن آلاف منها نامت ليلتها الهادئة على كوابل اعمدة الكهرباء، ومع بدء رحلة الرزق والتوكل على الله لا تراها على الاطلاق لا محلقة ولا متأملة، حيث ذهبت إلى غايتها.

ويقول التاجر حاتم الكردي الذي يسكن في عمارة على الشارع الرئيس، ومطلة على اماكن نوم طيور السنونو، يا الهي كم هذه اللحظات معبرة وجميلة !! ويزداد اعجابك بالمنظر، حين تبدأ هذه الطيور بالزقزقة ايذانًا بقدوم صوت مؤذن الفجر للصلاة، في ظل تزحزحها وتهيئتها للطيران وسط اجواء خيالية ندية.

ويقوم هواة وباحثون برصد حركة الطيور بالكتابة والتصوير الفوتوغرافي والفيديوهات من اجل توثيقها عبر الاجيال، كونها ظاهرة يومية في شارع يعج بحركة التجارة والمارة، سيما أن هذه الظاهرة في تزايد مستمر نتيجة تكاثر هذه الطيور بالتفريخ وبناء أعشاشها في الاماكن القريبة والآمنة بعيدًا عن الطيور الجارحة التي تفترسها.

ويفسر الكثير من الناس بدير ابي سعيد، سبب استقرار الطيور في شارع ديرابي سعيد ليلًا لخوفها على نفسها من الافاعي والقطط والطيور الجارحة التي تكثر في مناطق الكورة، ذات المساحة حرجية التي تبلغ نحو ٥٢ الف دونم.

وبعد أن بلغت الظاهرة مداها فهل تقوم بلدية ديرابي سعيد الجديدة بتسمية شارع ديرابي سعيد الرئيسي بشارع «طائر السنونو»، وتعمل على دراسة هذه الظاهرة وكيفية استغلالها في ترويج المنطقة استثماريًا وسياحيًا.