شهدنا، وعموم العرب والمسلمين بل والعالم بأسره، اقتحامات عشرات آلاف المستوطنين/ المستعمرين الأخيرة والمتكررة لباحات المسجد الأقصى، وأداء طقوسهم وشعائرهم وصلواتهم التلمودية بمناسبة أعيادهم اليهودية (وسط إجراءات احتلالية مشددة في مختلف أنحاء «زهرة المدائن» قيدت حرية تنقل العرب المقدسيين) بقيادة كبار الحاخامات، فيما دعا وزير الأمن الداخلي (جلعاد إردان) إلى تصعيد الاقتحامات للأقصى وباحاته، بالإضافة للسماح للمستعمرين/ «المستوطنين» بأداء شعائرهم التلمودية في باحات المسجد. فهل يمكن القول بأنه قد بدأ العد التنازلي لـ«تهويد» الأقصى؟!!

في الذكرى الخمسين لجريمة إحراق الأقصى، أوضحنا ارتفاع وتيرة الاقتحامات والانتهاكات شبه اليومية بأعداد كبيرة من قطعان اليهود المتطرفين الذين ينسلون إلى «الأقصى» من كل حدب وصوب عائثين فيه فساداً وتخريباً بحراسة قوات الأمن الإسرائيلية، وبقوة تحركات أحزاب ومنظمات توراتية استعمارية/ «استيطانية» متنامية، وبقرار سياسي ودعم مباشر من الحكومة الإسرائيلية. يومها، استخلصنا أن حكومة إسرائيل (وعلى عكس بعض وزراء وأحزاب ومنظمات اليمين التلمودي الفاشي) ليست بصدد السماح بتدمير «الأقصى» حرقاً أو نسفاً أو قصفاً. وهذا الموقف ليس «كرما» من إسرائيل، وإنما لأن «الظروف لم تنضج بعد» وفق حساباتهم السياسية، ولأن العالم الإسلامي، على ضعفه، ما تزال به بقية من روح لن تسمح بتطبيق «الحل الأقصى» بخصوص «المسجد الأقصى»، وكذلك الحال مع غالبية دول العالم والرأي العام الدولي ومؤسساته ومنظماته الأممية.

الآن، بتنا نخشى بقوة هذه الحملات الإسرائيلية المسعورة القديمة/ الجديدة القائمة على تزوير الحقائق وفرض سياسة الأمر الواقع، والشاهدة على العنصرية البغيضة التي يمارسها المستوطنون/ «المستعمرون» وحكومتهم ضد المقدسات الإسلامية والمسيحية، خاصة بعد أن تحولت من انتهاكات يومية استفزازية، إلى انتهاكات مدروسة وممنهجة، ربما تتجاوز في أهدافها إطار العمل على فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، إلى الدخول مباشرة للسيطرة عليه وتهويده بما يتجاوز ما حصل مع الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل.

إن ما يجري تجاه مقدساتنا يتطلب، إلى جانب الدورين الفلسطيني والأردني، تحركا عربيا وإسلاميا استثنائيا وعاجلا من أجل حمايتها، إذ أنه ما كان لسلطات الاحتلال أن تبالغ في عدوانيتها وعنجهيتها وغطرستها ضد كل مكونات القضية الفلسطينية (الأرض، الإنسان، المقدسات، الأسرى... إلخ) لو لم تجد غير التعود على السكوت والقبول والخنوع والإستخذاء والذل، فاطمأنت وتيقنت بأن «من يهن يسهل الهوان عليه»، وأنه «ما لجرح بميت إيلام»!

نعلم، أن لشعبنا الفلسطيني الصامد المرابط كل الشرف في حماية أقصاه بالأرواح والمهج، وخوض معارك البطولة والفداء والتضحية دفاعاً عن كرامة أمته العربية والإسلامية. كما نعلم أن هؤلاء هم الذين رغم مرارة الألم والخذلان من أبناء جلدتهم العرب والمسلمين، إلا إنهم سيبقون متسلحين بالإرادة والأمل، وقابضين على جمر الصمود، متوسمين دائما وأبدا الخير في أمتهم. لكن، إذا لم يحرك «الأقصى» العرب والمسلمين اليوم.. فمتى سيتحركون إذن؟!