سوريا - أ ف ب

دافعت قوات سوريا الديموقراطية امس بشراسة عن بلدة رأس العين الحدودية بعد أسبوع من هجوم تركي واسع غيّر خريطة التحالفات في سوريا، بعدما تسبّب بموجة نزوح ضخمة وأجبر منظمات إغاثة دولية على تعليق عملها.

ومع بدء واشنطن سحب قواتها من شمال شرق سوريا، فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات على تركيا، شريكته في حلف شمال الأطلسي، فيما أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن الهجوم لن يتوقف حتى «تتحقق أهدافنا».

ومع تخلي واشنطن، حليفتهم الأبرز عنهم، توصّل الأكراد إلى اتفاق مع دمشق برعاية روسية، انتشرت بموجبه قوات النظام في مناطق قريبة من الحدود التركية أبرزها مدينة منبج التي لطالما هددت أنقرة بالهجوم عليها.

وشنّت قوات سوريا الديموقراطية، وعمودها الفقري المقاتلين الأكراد، هجوماً مضاداً ضد القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها في منطقة رأس العين الحدودية، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان امس.

ودخلت القوات التركية والموالون لها قبل أيام البلدة من دون أن تتقدم فيها أمام مقاومة شرسة من المقاتلين الأكراد. وأفاد المرصد في رأس العين عن اشتباكات مستمرة عند أطرافها.

وأوضح مدير المرصد رامي عبد الرحمن أن «صمود قوات سوريا الديموقراطية في رأس العين ناتج عن التحصينات والأنفاق فيها، فضلاً عن التعزيزات التي لم تتوقف عن الوصول إليها».

وتمكنت تركيا ومقاتلون سوريون موالون لها، إثر هجوم بدأته قبل أسبوع، من السيطرة على منطقة حدودية بنحو 120 كيلومتر، تمتد من محيط بلدة رأس العين (شمال الحسكة) وصولاً إلى مدينة تل أبيض (شمال الرقة)، وبعمق 32 كيلومتراً.

ورفع جنود سوريون امس، وفق المرصد، العلم السوري داخل مدينة منبج في شمال محافظة حلب، غداة دخولهم اليها ليلاً، رغم حشد تركيا لقواتها في قرية تقع غربها.

وباتت قوات النظام موجودة بشكل رئيسي في مدينتي منبج وعين عيسى (الرقة)، وتنتشر في مناطق أخرى أبرزها قرب بلدة تل تمر (الحسكة)، وفق المرصد.

ويعد هذا الانتشار الأكبر من نوعه لقوات النظام في مناطق سيطرة الأكراد منذ انسحابها تدريجياً منها بدءاً من العام 2012، محتفظة بمقار حكومية وادارية وبعض القوات، لا سيما في مدينتي الحسكة والقامشلي.

ولم يجد الأكراد بعد تخلي واشنطن عنهم خياراً أمامهم سوى دمشق. ولم توضح الإدارة الذاتية تفاصيل الاتفاق الذي توصلت إليه، لكنها قالت إنه اتفاق «عسكري» ولن يؤثر على عمل الإدارات التابعة لها.

وأوردت صحيفة الوطن السورية المقربة من دمشق أن الاتفاق يشمل دخول الجيش السوري الى منبج وعين العرب (كوباني)، المدينتين اللتين لطالما لوّحت أنقرة بالسيطرة عليهما في هجومها.

ويشكّل الاتفاق تحولاً جديداً في مسار النزاع، بعدما اصطدمت مفاوضات سابقة بين الأكراد ودمشق بحائط مسدود. ولطالما أصرّت دمشق على إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع النزاع عام 2011، بينما تمسّك الأكراد بإدارتهم الذاتية والمؤسسات المدنية والعسكرية التي بنوها بعد عقود من التهميش على يد الحكومات السورية المتعاقبة.

وتهدف تركيا، التي تصنّف وحدات حماية الشعب الكردية مجموعة «إرهابية»، إلى إقامة منطقة عازلة قرب حدودها لتنقل إليها قسماً كبيراً من 3,6 مليون لاجئ سوري لديها. وتوقع محللون أن تقتصر المرحلة الأولى من العملية على المنطقة الممتدة بين رأس العين وتل أبيض.

وتسبّب الهجوم التركي، وفق المرصد، بمقتل نحو 70 مدنياً و135 مقاتلاً من قوات سوريا الديموقراطية. كما دفع بـ160 ألفاً إلى الزوح من منازلهم، بحسب الأمم المتحدة.

وأحصت أنقرة من جهتها مقتل خمسة جنود أتراك في سوريا و18 مدنياً جراء قذائف اتهمت المقاتلين الأكراد بإطلاقها على مناطق حدودية.

وأعلنت الإدارة الذاتية الكردية امس توقف كافة منظمات الإغاثة الدولية عن العمل وسحب موظفيها من مناطقها، محذرة من «تفاقم الأزمة الإنسانية» في منطقة تضم أساساً مخيمات نازحين تؤوي عشرات الآلاف.

وأكدت منظمة «ميرسي كور» «تعليق عملياتها وإجلاء موظفيها الدوليين». ووصف مسؤول فيها ما يجري بأنه «السيناريو الكابوس».

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إنه «نتيجة التطورات الأخيرة، فإن المزيد من طواقم المنظمات الدولية اضطرت للانسحاب وتعليق العمليات». وبدءاً من الإثنين، بدأ العاملون الدوليون في تلك المنظمات الانتقال إلى إقليم كردستان العراق.

ولا يشمل قرار تعليق البرامج وكالات الأمم المتحدة، وفق ما أكد متحدثون باسمها.

وعلى وقع التقدم التركي وانتشار قوات النظام في شمال شرق سوريا، تلقت كافة القوات الأميركية، والتي يبلغ عددها نحو ألف عنصر أوامر بمغادرة مناطق سيطرة الأكراد، وفق ما قال مسؤول أميركي.

وكتب ترامب في تغريدة الإثنين «بعد هزيمة خلافة تنظيم الدولة الإسلامية بنسبة 100%، أخرجتُ من سوريا معظم قواتنا (...) ليست لديّ أيّ مشكلة في أن يساعد أيّ كان سوريا في حماية الأكراد، سواء أكان روسيا أم الصين أم نابوليون بونابرت».

وللتخفيف من حدة الانتقادات التي اتهمته بالتخلي عن الأكراد، فرض ترمب عقوبات على تركيا، تشمل وزارتي الدفاع والطاقة ووزراء الطاقة والدفاع والداخلية. وقرّر وقف مفاوضات تجارية مع تركيا، وأعاد فرض رسم جمركي بنسبة 50 في المئة على واردات بلاده من الصلب التركي.

وأبدت دول أوروبية عدة قلقها البالغ من تداعيات أي هجوم تركي محتمل على المعركة ضد خلايا داعش، الذي لا يزال ينشط عبر خلايا نائمة برغم هزيمته الميدانية على يد المقاتلين الأكراد. ويحتفظ الأكراد بالآلاف من مقاتليه وأفراد عائلاتهم في سجون ومخيمات مكتظة.

وحذرت منظمة هيومن رايتس ووتش امس الدول الأوروبية من نقل المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم من سجون المقاتلين الأكراد إلى العراق، حيث تجري محاكمات «غير نزيهة» تتخللها الكثر من الانتهاكات.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي إن فرنسا تبحث عملية النقل مع مسؤولين عراقيين.