لم تكتفِ حَركة «حماس» بالمَوقف المُثير للدهشة والباعث على الغضب, والمُؤشِّر على استداراتها السياسية التي لا تتوقّف, وعدم استخلاصها الدروس والعِبر من المُغامرات التي أقدمَت عليها منذ ثماني سنوات, عندما وضعت نفسها في خدمة مَشروع الفوضى الذي بدأه الأعداء في المنطقة العربية, في مصر وسوريا واليمن وليبيا.

نقول: لم تكتفِ حماس بما عبّر عنه ناطِقها الرسمي سامي أبو زهري عندما اعتبر تركيا «مهوى قلوب المسلمين في العالم», ردّاً على ما اعتبرَه حملة إسرائيليّة وقحة ومرفوضة ضد تركيا، وكأني به بات ناطقاً باسم القصر الرئاسي التركي، بل قامت بإصدار بيان كرّس انتماءها النهائي لمعسكر لم يَتوقّف عن التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول العربية, وطرح مشروعات تفتيتِيّة عبر لغة تفيض غطرسة وأنانية, وتُبدي ازدراء لكل طموحات الشعوب العربية في الوحدة والعمل المُشترَك. ونسيت حماس وخصوصاً أبو زهري أنه قال ذات تصريح عَرمرَمِي: «إن القدس مَهوى قلوب المسلمين», فإذا بحماس في بيانها: انها تتفَهّم «حق» تركيا في حماية حدودها, و«الدفاع» عن نفسِها و«إزالة» التهديدات التي تمَسّ «أمنها القومي»، وكي تُغطي حماس «السماوات» بـِ«القَبوات» كما يقول المأثور لم تنس (كما ناطِقها أبو زهري) الزجّ بـ«الموساد» الإسرائيلي في المنطقة, الذي (الموساد وحده) يَسعى إلى ضرب الأَمن القومي والعربي.

هنا والآن يتوجب التوقّف عند «الألغام» والذرائع والتبريرات المُتهافِتة التي ساقتها حماس, فالتفهّم الحمساوي للغزوة المُسمّاة «نبع السلام», اتّكأ على أُكذوبة «حق» أنقرة, بأن اجتياح الأراضي السورية (بدأ قبل أسبوع) هو مُمارسة لحق تركي لا يَجوز لأحد، ثم راح بيان حماس يغرِف من القاموس الصهيواميركي/ الغربي الزاعِم «حق» اسرائيل الدفاع عن نفسها امام «الإرهاب» الفلسطيني. ولم يُكلّف كاتبو البيان أنفسهم سوى «شطب» اسرائيل ووضع تركيا بدلاً منها, أما حكاية مُحارَبة الإرهاب فقد باتت ماركة تجارية لأنظمة ومنظمات وتنظيمات, تُبرّر ارتكاباتها ومقارفاتها التي لا يجوز الإعتراض عليها، وإلاّ تمّ رشقه بتهمة مساعدة الإرهاب وتمويله والترويج له.

ذهب البيان بعيداً في مَنح أنقرة حقّها «إزالة» التهديدات المزعومة لأمنها القومي, أي إجتثاث وتدمير البنى التحتية للمنطقة التي يروم اردوغان وجيشه احتلالها تحت اسم «المنطقة الآمنة», والتي يَتوهّم انه قادر على إقامتها بعمق 35كم وبعرض يزيد 420كم, ما يعني احتلال منطقة تزيد مساحتها على مساحة لبنان مرّة ونصف المرّة (مساحة لبنان 10452كم2، فيما مساحة المنطقة السورية التي يروم العثمانيون الجُدّد احتلالها تصل إلى 14700كم2).

وكي تخلط حماس الأمور وتُبعِد الأنظار عن التّموّضُع الجديد/القديم الذي لم تغادره أصلاً, رغم كل مُحاولاتها استعادة بعض الدفء في علاقاتها مع العواصم والتنظيمات التي ناصَبتها العداء, وبخاصة بعد ان ظنّت أن مشروع الإسلام السياسي الذي تنتمي إليه وتنخرط فيه بحماسة زائدة... يُوشِك على الانتصار, فإنها قامت بـِ«تثمين» المواقِف التُركِية من القضية الفلسطينية ودعم حقوق الشعب الفلسطيني(كذا).

... للحديث صلة.

kharroub@jpf.com.jo