إربد-أحمد الخطيب

قال الشاعر عاقل الخوالدة، في قراءة له في حفل إشهار كتاب «ديوان الغجر» للروائي هاشم غرايبة، الصادر حديثاً عن وزارة الثقافة، بأن الروائي غرايبة يطل بنا في كتابه الجديد على عالم آخر، ويعود إلى الحلقة الإنسانية الأوسع، معتبراً بأن هذه العودة ليست رفضاً للواقع بل هو التوجه الأعلى إلى الحلقة الإنسانية التي يشاركه فيها عدد من مبدعي العالم الذين ذهبوا إلى عالم الوفاء والصفاء.

واعتبر في الحفل الذي أقيم مساء أول من أمس، في بيت عرار الثقافي، وأدار مفرداته الفنان والناقد الفوتوغرافي صالح حمدوني، أن غرايبة لعب في كتابه الجديد دور الباحث العلمي حين دوّن كمّاً كبيراً من أعمال الغجر وإبداعاتهم، وحين نقلنا إلى تجربتهم وما يبحثون عنه، مشيراً إلى أن غرايبة في كتابه يكشف لنا عن ملحمة الغجر، فهم تشكيليون وفنانون ولديهم أدب عريق يصل إلى بداية التكوين.

وأوضح أن غرايبة، ولتوصيف واستدراك حياة الغجر وتجاربهم وملامح كينونتهم، يذهب بجرأة إلى خيامهم لقراءة المخفي والمستور بالنسبة للجمهور العام في الأردن، إلى جانب وقوفه في تناوله لهذه الحياة الخاصة للغجر، على ملامح تجربته الإبداعية التي أثث من خلالها سردية الكتاب، حيث استخدم قدرته الإبداعية وهو ينظر إلى نص الأغنية الغجرية ومقابسات التجربة الإبداعية الغجرية وحركة المجتمع الغجري.

وبيّن في قراءته، جملة من المعالجات التي التقطها غرايبة من هذا المجتمع، مشيرا إلى أهمية توثيق تراث هذه المجتمعات، لأن فيها إجابات كثيرة على أسئلة الوجود.

إلى ذلك قال الخوالدة بأن غرايبة يلتفت في كتابه إلى معتقدات الغجر وطقوسهم، فهم تأصيليون بالنسبة لأنفسهم كما يرى، وفي ملاحمهم عمق تاريخي يصل إلى هابيل وقابيل، وأنهم يمتلكون الكثير من أدوات الإبداع، فهم مجتمع مثقف، ومجتمع يعيش بلا قيود، ولهم هواجس كثيرة في الحرية، موضحاً أن أسرارهم التي أباحوا بها لغرايبة، تصحح الكثير من المفاهيم والمعتقدات التي تدور حولهم.

من جهته أكد الروائي غرايبة أنه منذ عامين انشغل بالغجر الذين نراهم على الإشارات الضوئية، فذهب إلى عالمهم، إلى خيامهم، ونظر في حياتهم ومشاكلهم وهمومهم، ووقف على الكثير من تراثهم وحكاياتهم وأصولها، فوجد أنهم فرحون بحياتهم، مع تلك التناقضات التي يعيشونها والتي تستحق النظر في فلسفتهم للحياة.

وتحدث في كلامه الموجز عن مسألتين تتسقان في حياة الغجر، تتناول الأولى، فكرة عدم التعلق عندهم بأي شيء، مشيراً إلى أنه اكتشف أن العشق محرم عند الغجر لأنه نوع من أنواع التعلّق، فيما تتسق الثانية مع قدرتهم العالية على التكيّف والانسجام مع البيئة التي يعيشون فيها، مع الاحتفاظ بالمعتقدات والطقوس الخاصة، واعتمادهم على مبدأ التقية.

وأكد أن الغجر لا يعتمدون على الذاكرة، بل يحيكون حكاياتهم بالمطلق، فحكاياتهم كما يرى غير متعلقة بالأجداد، بل هي متعلقة بلحظتها، كونها حكاية مستقلة بذاتها، مشيراً إلى أن للغجر لغتهم الخاصة ومفرداتهم الخاصة، ولكنهم يتكلمون لغة المجتمع الذي يعيشون فيه، بلهجتهم الخاصة الممزوجة بلغة أهل المنطقة التي يجاورونها.

إلى ذلك قرأ الروائي غرايبة الذي وقّع نسخاً من كتابه للجمهور العريض، باقة من نصوص كتابه الجديد الذي يقع في 208 صفحة من القطع الوسط، ويحتوي على تسعة ديوانيات تضم (55) نصاً سردياً وشعرياً، يقول في نص «أنا غجرية»: «أنا غجرية، ستة أحصنة جامحة تصهل حولي، خيمتي مشرعة للشمس والريح، والكون ساحتي، كالظبية السارحة ألتقط رزقي، أما أنت أيها الفلاح الطيب، فلا ترى الظباء السارحة، ولا تركب فرسا جامحة، لا أرى معك سوى محراث يشدّ ناظريك إلى التراب، وثورين مخصيين يقودان خطاك، دع محراثك واتبعني».

وكان الفنان الفوتوغرافي حمدوني قال في تقديمه للحفل، من تصاريف القدر أن نلتقي في بيت عرار، الشاعر المرموق، لإشهار كتاب الغجر للروائي والقاص الأردني هاشم غرايبة، لافتاً إلى أن عرار الذي كانت له تجربة مع الغجر ميّزت شعره وأثرته–في بيوت النور، التركمان، البرامكة، أياً كان اسمهم–بحث عن الفرح وحب الحياة، بعيدا عن أساليب الحضارة الحديثة، فتحولوا إلى رموز خصبة في شعره.

وقال بأن هاشم غرايبة، المُشبع بذاكرة بصرية لمشهد النور المقيمين في سهول حوارة، ذهب إليهم محاولا الإجابة على أسئلة الطفولة وفضولها، باحثا عن معنى الوجود، المجتمع، القيم، العادات عندهم، كاشفا انزياح المجتمع المحلي الذي ما عاد مُنتجا، وانزياح الغجر إلى مزيد من الغربة والعزلة على هامش المجتمع الاستهلاكي، فاختفت دفوفهم ودوابهم وغرابيلهم، وغابت الأسنان الذهبية اللامعة عن ابتسامات الصبايا.