أبواب - تالا أيوب

«أفتقده كثيرا، وأشتاق لتصرفاته كلها حتى تلك التي كنت أنزعج منها، ليتني عشت كل لحظة معه بفرح وتأنٍ ، دون نكد أو منغصات، ليت الأيام تعود الى الوراء كي أعوّض ما فاتني معه».. بكلمات يعتصرها الألم عبرت أم موسى النجار عن حنينها لزوجها الذي فقدته قبل 3 أشهر.

كذلك الحال بالنسبة للثلاثينية سحر عبادي اذ أنها تشعر بالندم الشديد؛ لأنها لم تستغل كل لحظة برفقة والديها، وبوده ما، وببره ما، وأنها لم تسدد جزءا مما قدماه لها، حتى أنها لا تحب أن تتذكر تلك الأيام كي لا يستبدل احساسها بالفقد والاشتياق بالندم.

كثر يتشابهون بحال النجار وعبادي اذ أنهم يحنّون الى أيام ولّت، يفتقدون للحظات جمعتهم بأحباب رحلوا عن هذه الدنيا، يشتاقون لأوقات قضوها معهم حتى لو كانت مزعجة، ويتمنون لو أن الزمن يعود ليعوضوا ما فاتهم.

يقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة لـ«أبواب - $»: «إن الندم ينتاب الأقربين من الذين يفاجئهم الموت، إذ يبدو عليهم الشعور بالتقصير تجاه من مات في المواقف التي كان المرحوم بحاجة للوقوف بجانبه، ومد يد المساعدة إليه بالمال أو النصح أو التجاوب، وخاصة اذا شعروا بأن وقوفهم لجانبه كان يمكن أن يزيل كربا أو هما أو اعسارا وعند ذلك يندم الفاعلون على تقاعسهم أو اهمالهم أو لامبالاتهم، لذا فإن النصح واجب للناس لكي يبقوا ايجابيين ومستعدين للعطاء دائما».

يقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي: «الندم شعور طبيعي يحسّ به جميع البشر، والندم كأن يعتذر متأخرا عن سلوك قام به أو معاملة تعامل بها مع طرف آخر سواء أكان الطرف الزوج أو الأب أو الأم وما الى ذلك (...)».

ويشير التميمي الى أن الشعور بالندم يزداد اذا حدث تباعد او انفصال، وهذا الانفصال إما اجتماعيا أو قدريا (كما يحدث في الموت)، اذ أنه حقيقة مطلقة يدركها كل انسان ولكن لا يعيها في لحظتها.

وبحسب التميمي فإن ردود أفعال الأشخاص تجاه فقدان أشخاص بالموت تختلف، وتعتمد على عدة عوامل منها«درجة القرب من الشخص المتوفى، والحصانة النفسية التي يتمتع بها هذا الشخص، وطبيعة المشاعر اذ أن البعض يعبر عن مشاعر فورية كالبكاء والحزن وغيرهما (...)، وهناك مشاعر تتأخر اذ يمر الشخص بمراحل نفسية عديدة تتمثل بالصدمة والانكار بداية، يليها الغضب والقلق، ثم الاكتئاب، فمقايضة القدر الى أن ينتهي الحال بالاستسلام والقبول وعندها يدرك الشخص في تلك اللحظة أن هذا الشخص انتهى وجوده من هذه الحياة».

ويتابع: «تتفاوت ردود أفعال البشر فهناك فروق في درجتها وشدتها ووقتها والمدة الزمنية اذ قد يبقى البعض في مرحلة الانكار وقد يتطور لديه أمراض نفسية كالاكتئاب الشديد أو من الممكن أن تتطور الى اضطرابات ذهانية».

وبحسب التميمي فإن مشاعر الندم ترتبط بما تم ذكره سابقا ارتباطا وثيقا، ويضيف: «وتزداد عندما تربط الشخص علاقة بآخر وتنتهي، فيبدأ هذا الشخص باسترجاع كل الخبرات الإيجابية والسلبية، فالإيجابية تبث الراحة بداخله اذ كانت تربطه بعلاقة إيجابية معه، وبنفس الوقت فإنه يسترجع بعض المواقف السلبية كالتجاهل والانتقاد واللوم ويستذكر بعض المواقف التي كانت ردود أفعاله اتجاهها سلبية فيشعره بالندم، والأسى، وهذا شعور طبيعي لكل البشر وهو شيء يشترك به جميع الناس كأن يندمون على ما تفوهوا به أوما بدر منهم».

ويذكر التميمي مثالا على ذلك:الشخص الذي اغترب عن والدته 15 سنة، ولم يرها، ووصله خبر وفاتها فإنه حتما سيندم ندما شديدا ويلوم نفسه محدثا إياها: «ليتني كنت اتفقدها باستمرار وأزورها»، لكن ما حصل بأن زخم الحياة اليومية أبعدته عن علاقاته الاجتماعية بشكل مقصود في هذه الحالة والتي تكون العلاقة فيها وطيدة كالتي تجمع الابناء بوالديهم».

يذكر التميمي بعض العوامل التي تضعف العلاقات الاجتماعية: «طبيعة الحياة المعاصرة المدنية، الوقت، التنافس، متطلبات الحياة، التضخم الذي نعيشه في واقعنا اليومي، متطلبات الأبناء، الظروف المعيشية الصعبة تحتم على الشخص قضاء أوقات طويلة في ساعات العمل لتأمين الحاجيات الأساسية للأبناء، وللأسف كثير من الحاجيات التي كان ينظر إليها على أنها ثانوية أصبحت أساسية نتيجة ثقافة التقليد والاقتداء بالغير، بالإضافة الى التكنولوجيا».

ويضيف التميمي: «إن وسائل التواصل الاجتماعي كالواتساب والفيسبوك وغيرها تحمينا من أعباء المناسبات الاجتماعية الا أنها بنفس الوقت لا تشفع لنا بعلاقاتنا المقربة الحميمية جدا بالذات مع الأب والأم والأبناء، حتى لو كان هناك اتصال هاتفي معهم كل بضعة أيام الا أنه يعتبر ناقصا، ولا تتجسد معانيه العميقة والصادقة الا عندما يتصل الانسان وجها لوجه وجسدا بجسد؛ لأنه يعطي العلاقات الانسانية قيمة أكبر وبُعداً عاطفياً وبُعداً له علاقة بالحقوق وبر الوالدين وما الى ذلك».

ويشير الى أن مشاعر الندم تزداد كلما كان الشخص يعلم بأنه كان هناك تقصير من جانبه أو ربما كان مخطئاً بتعامله مع الشخص المفقود فهو كأنه بالندم يكفّر عن أخطائه وذنوبه ليرتاح نفسيا.

الندم في المسارات المختلفة

لا يقتصر الإحساس بالندم على فكرة الموت فقط، وإنما يمتد الى أمور أخرى كسلوك مسار كان بالإمكان تفاديه وعدم الدخول به أو العكس، سواء في المسارات الاجتماعية أو المهنية وغيرها (...)

تقول عن ذلك أم ليندا درابكة -وهي معلمة في مدرسة خاصة-: «إنني أندم على لحظات الثبات المهني اذ أنني كنت أهاب التغيير، فلم أستغل الفرص التي سنحت لي منذ زمن، وشعرت بها الآن بعدما قمت بتغيير مكان العمل فأيقنت بأنني خسرت؛ لأنني لو خطوت هذه الخطوة منذ زمن، لكان وضعي المهني أفضل من الآن؛ لأن تغيير مكان العمل في بعض الأحيان يعد خطوة للأمام وتطوراً».

يقول الدكتور فيصل غرايبة: «الندم حالة نفسية تنشأ عن موقف اجتماعي يتعرض له الإنسان ويشعر فيه بأنه قد أخطأ في حساباته واستعداداته للتكيف معه أو التغلب على الصعوبات التي ترتبط فيه».

ويلفت غرايبة الى: «يتفاوت الشعور بالندم بين شخص وآخر من حيث القوة أو الظهور، فإن الانسان الواثق من نفسه يتروى بالخطوات ويدرس الامكانيات لكي لا ينشأ الندم عنده بسهولة، بعكس الذي يندفع أو يتهور ويتسرع بالقرار أو بالتنفيذ ويفاجأ بأنه كان بحاجة الى استعداد أفضل وتهيئة أحسن فوقع نتيجة ذلك وفي حالة الندم التي انتابته».

ويضيف: «من جهة أخرى يكون الندم عند الإنسان الواعي درسا مستفادا منه، وسيواجه المواقف الحياتية القادمة والمختلفة، ومن المستحسن أن لا يدع الإنسان الندم للتسلل الى نفسه، بل يقاومه بالإرادة والتصميم من جهة، وبالصبر والروية من جهة أخرى. وقد يكون من الأفضل أن يستشير الآخرين في الحالات التي يستصعب فيها».

ويشير غرايبة الى ضرورة اتخاذ القرار المناسب، حتى لا يقع بالندم بعد فشله في تحقيق أهدافه من وراء ذلك القرار. فالروية والتفكير والثقة بالنفس وحسن النوايا تجاه الاخرين هي مجموعة أركان أساسية تمنع التعرض للندم لدى أي انسان وتعينه على اتخاذ القرار المناسب بالوقت المناسب للأمر الذي يشغل باله ويسعى لمواجهته بشكل ايجابي مريح.

وبحسب التميمي: «اذا كان الندم بحدوده الطبيعية فإننا نعتبره تنفيسا انفعاليا صحيا مفيدا يريح الشخص، أما اذا استمر لفترة طويلة مع لوم الذات المتكرر، وأصبح يعيق مسار حياته، فمن الممكن ان يتطور على شكل اضطراب نفسي يؤثر في وظائف حياة الفرد اليومية، وعلاقاته الاجتماعية، وربما تدخله في مشاكل نفسية تحتاج عندئذ تدخلاً علاجياً نفسي دوائياً أو جلسات سلوكية.

وفي النهاية.. يدعو أخصائيون نفسيون واجتماعيون كل من يقرأ هذه القصة الاخبارية الى أن يعيد حساباته في كل ما يتعلق به ويتروى باتخاذ قراراته، وأن يترك ما بيده ويذهب الى من يحب؛ ليعبر له عن مدى وفائه له، وأن يقضي معه أطول فترة ممكنة، كي لا تتملكه مشاعر الندم بعد عمر طويل لكل أحبابه.