هذا الكلام عن «القهوة» المشروب العربي الشهير كان قد جاء على لسان الشاعر المعروف محمود درويش عندما سأله صديقه ذات جلسة على شاطئ البحرعند الغروب متسائلاً: لماذا تحب القهوة لأنني ألحظك تتذوقها بمتعة تُحسد عليها؟!.

وهنا يتبرع محمود درويش بالإجابة قائلاً:

ربما لأن في القهوة الكثير من المرأة والحب.

قال الصديق: كيف؟!.

قلت: تعال نستعرض الأمر.. وحدة وحدة.. وشفة شفة.

قال: كلي آذان صاغية، هات يا فيلسوف القهوة.

قلت: المرأة كالقهوة والقهوة كالمرأة.. أذواق!.

بعضنا يحبها حلوة.. وبعضنا يحبها مُرّة.

بعضنا يحبها خفيفة.. وبعضنا يحبها ثقيلة.

بعضنا يحبها وسط.. وبعضنا يحبها عالريحة.

البعض يحبها مغلية.. والبعض يحبها مزبوطة.

آخر يحبها رائقة.. وآخر يحبها وعلى وجهها قشوة.

واحد يحبها ساخنة.. والثاني يحبها فاترة.

والثالث يشربها شفة شفة.. والرابع يشربها شفطاً.

والخامس تسمع صوته وهو يشفها.. والسادس يذوقها على الساكت.

فضحك صديقي وقال: صحيح والله صحيح.. أكمل.. لقد جعلتني أعشق القهوة.

قلت: ناس يشربونها بفنجان كبير.. وناس يشربونها بفنجان صغير.

ناس يمسكون الفنجان من وسطه.. وناس يمسكونه من أذنه.

ناس يشربون الفنجان كاملاً.. وناس لا يشربون إلاّ نصف الفنجان.

ناس يشربون القهوة ويكتفون.. وناس يحملونها معهم في الترموس.

ناس يشربونها في كل مكان.. وناس لا يشربونها إلاّ في بيوتهم.

رجل يحب القهوة إفرنجية.. ورجل يحبها عربية.

رجل يحبها نسكافيه.. وآخر يحبها كافي وبس.

واحد يحبها مع حب الهيل.. وآخر يحبها كلها حب هيل.. والباقي لا الحب ولا الهيل.

البعض يريدها على الطريقة الفرنسية.. آخرون على الطريقة التركية.. الباقي على الطريقة العربية البحتة.

والدنيا أمزجة.. فهناك من لا يشرب القهوة إلاّ إذا عرف نوع البن..

وهناك من يشربها كيفما كان البن.

هناك من يبحث في البن عن ماركته العالمية.. وهناك من لا يهمه من البن إلاّ نكهتها الأصلية.

هناك من يشتري البن ليحمصه على يده.. وهناك من يشتريه مطحوناً خالصاً.

هناك من يشتري كيس البن مقفلاً.. وهناك من يشتري كيس البن مفتوحاً..

وبعد أن يشربوا القهوة ينقسمون إلى قسمين:

قسم يهوى قراءة الفنجان ليعرف الأسرار ويفك الرموز, وقسم يضحك على القارئين.. لأن رواسب القهوة مثل بعض النساء لغز لا سبيل إلى حله أبداً أبداً.

فقاطعني وقال: ولكن هناك نساء يدّعِين معرفتهن بقراءة الفنجان!!

قلت: طبعاً.. لأنه لا يفهم المرأة إلاّ المرأة.. ولا تنسى ياصديقي أنه وبرغم محبتنا للقهوة لا بد أن نفهم أن الإفراط في كل شيء ضار!! إلاّ في الحب.

فالإنسان كلما أفرط فيه أحس بجمال الدنيا وروعة العمر وخفايا نفسه.

فسألني: وأنت يا عاشق القهوة كيف تحب القهوة؟!.

قلت: أحبها مزبوطة لا حلوة كالقطر ولا مُرّة كالحنظل.

سألني: مغلية أم عكرة؟!

قلت: مغلية جداً.

سألني: رائقة أم على وجهها قشوة؟!

قلت: رائقة جداً.

سألني: وإذاجاءتك وعلى وجهها قشوة؟!

قلت: انفخ أو أمسح القشوة عنها حتى يعود إليها صفاؤها.

سألني: وكيف تشربها شفة شفة أم شفطاً؟

قلت: الذين يشربون القهوةشفطاً هم الناس العاديين الذين لا يُحْسِنون الاستمتاع بلذة الأشياء.

أما الذين يشربونها شفة شفة فهم الفنانون الملهمون المقدرون لعظمة البن.

قال: وهل يسمع الناس صوتك وأنت ترشف القهوة؟

قلت: كانوا يسمعون صوتي عندما كنت صغيراً..أما الآن فلا يسمع حفيف فمي إلاّ فنجاني المقدس وحده.

قال: وكيف تُمسك بالفنجان؟

قلت: من وسطه.

قال: لماذا لا تمسك به من أذنه؟

قلت: أبداً.. فالفنجان كالزئبق الذي إذا تركته في راحتك استقر في راحتك،

أما إذا ضغطت عليه تسلل من بين أصابعك.

سألني: وهل تشرب القهوة في كل مكان أم تشربها في بيتك وحده؟

قلت: قد لا أشربها في بيتي وحده، ولكنني لا أشربها في كل مكان.

قال: أين تشربها إذن؟

قلت: حيث يكون فنجاني.

قال: وكيف تفضل القهوة.. عربية أم افرنجية؟

قلت: أفضلها حيث أحبها، فالوطن هو الحبيب والحبيب هو الوطن.

سألني: والبن هل تفضل أن تحمصه على يدك.. أم تشتريه مطحوناً خالصاً؟

قلت: أحمصه على يدي حتى إذا احترق كنت أنا المسؤول الأول والأخير.

قال: ولماذا يحترق ! ألا تُحسن التحميص؟

قلت: ما من محمصاني إلاّ ويخطئ حتى ولو كان أمهر الطهاة.

سأل: وهل أنت من هواة قراءة الفنجان؟

قلت: أنا من هواة الدراسة.

قال: وهل تخرجت من المدرسة؟

قلت: أبداً.. لا زلت تلميذاً مجتهداً في معهد القهوة.. لا أُريد أن أنتقل من صف لصف حتى لا أصل إلى التخرج!!.

قال: ها... وبعدين؟!

قلت: القهوة هي المرأة والمرأة هي الحب والحب هو المرأة وكلاهما كافيين الحياة ولذة الوجود.