أبواب - غدير سالم

نطلق كل يوم آلاف الكلمات، وكل كلمة تحمل مشاعر مختلفة، منها كلمات ليس لها وقع على الطرف الآخر، ومنها ما يكون أثره طيبا في النفس، ومنها ما يكون أثره سلبيا، يتأثر به الإنسان قليلا من الوقت وينتهي أثره، ومن الكلمات ما يقتل في النفس أشياء عدة وقد يغير حياة.

والكلمة الطيّبة مفتاح للقلوب، وتطفئ نيران العداوة والبغضاء، وتريح النفوس وتؤلف بينها، وأحياناً تملك عقول الناس ومشاعرهم، فهي صالحة لكل زمان ومكان، ويحتاجها الطفل والطالب والأب والأم، كما يحتاجها الموظّف والمدير والمسؤول والمعلم والمتعلم والغني والفقير، والناس متعطشون للكلمة الطيبة في أي منصب كانوا، لأن الكلام الجميل يصل إلى القلوب بدون وساطة أو استئذان.

ووفقاً لأستاذ الفقه وأصوله في كلية الأميرة عالية الجامعية بجامعة البلقاء التطبيقية الدكتور محمد علي الهواري فإن :«الكلمة معبرة عن ذات قائلها،ودالة على مراده منها، ويحكم عليه عن طريقها،ولها تأثير عليه وعلى سامعها وعلى مجتمعه الذي يعيش فيه، لذلك على الشخص أن يحسن اختيار الكلمة الصادرة عنه».

ويرى الهواري أن: «الكلمة إما أن تكون طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وإما أن تكون سيئة تودي بصاحبها إلى الهلاك كما حدث مع إبليس، قال الله تعالى(...قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون. قال فاخرج منها فإنك رجيم . وأن عليك اللعنة إلى يوم الدين) «سورة الحجر 33-35» وقال صلى الله عليه وسلم(إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفا)».

ويشير الهواري إلى أنه: «حتى لا يكون مصير الإنسان سيئاً عليه أن يقول الكلمة الطيبة التي حث الإسلام عليها وهي نوعان كلمة طيبة بذاتها مثل ذكر الله تعالى وقراءة القرآن الكريم والكلمة الطيبة المباحة التي تدخل بها السرور على الآخرين وإيناسهم والأنس بهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم مبينًا أهمية الكلمة الطيبة: (والكلمة الطيبة صدقة) ووجه ذلك أن الكلمة الطيبة تفرح من وجهت إليه وتذهب ما في قلبه من سوء الظن بالآخرين».

ويبين الهواري أنه: «وتحقيقًا لسيادة الكلمة الطيبة بين الناس نهى الإسلام عن كل الكلام الذي يرجع عليها بالنقض، فحرم الغيبة والنميمة والفاحش من القول، وبذاءة اللسان وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن صفة المؤمن البعد عن كل ذلك فقال: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء)».

وعن الآثار الحسنة للكلمة الطيبة على الفرد والمجتمع يقول الهواري: «إنها انتصار على الشيطان لقوله تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان كان للإنسان عدوًا مبينًا) «الإسراء 53»، وتحقق لصاحبها المغفرة ودخول الجنة والنجاة من النار، بالإضافة إلى أنها تحقق اجتماع كلمة الأمة وتآلف القلوب، وتقضي على مظاهر الفساد في المجتمع كالغيبة والنميمة والفاحش من القول».

ويعرّف استشاري العلاج النفسي الدكتور عبد الله الرعود الكلمة بأنها: «رسالة ومصدر من مصادر الاتصال، فهي تصل للشخص المستقبل فيحاول فهمها واستيعابها وتحليلها وبعد ذلك يقوم بإرسالها إلى مناطق معينة في الدماغ بحيث تكون على شكل بُنيات معرفية وخزائن في الدماغ، ويمكن استرجاعها وإعادة طلبها عند تذكر الكلمة أو أي موقف مرتبط بهذه الكلمة».

ويضيف: «القضية المهمة أن هذه الكلمة عبارة عن تشكيل أولي من خلال ما فهم الشخص ومن خلال ما فسر الكلمة، وعنما يفسرها تصبح عبارة عن أفكار ومعتقدات ومخططات في الدماغ، وهذه الأفكار والمعتقدات يرافقها أفكار مقتحمة وترتبط بإنفعالات في الغالب مباشرة، وبحسب الكلمة إذا كانت طيبة يرتبط بها انفعال ايجابي طيب،واذا كانت خبيثة يرتبط بها إنفعال خبيث مثل التوتر والإحباط والقلق، لذلك هذه الإنفعالات ترتبط بالكلمة بحسب إيجابيتها أو سلبيتها».

ويرى الرعود أنه: «إذا ظهرت الكلمة الطيبة ينتج عنها إنفعال طيب وسعادة ورضا، وعقب الانفعال يقوم الجسم والدماغ بإفراز مواد كيماوية وهرمونات إيجابية وتزيد من نسبة السعادة والإستقرار، وإذا كانت الكلمة خبيثة يحصل العكس لأنها تحدث تأثيراً سلبياً على كيمياء الدماغ وتبدأ الهرمونات والغدد بفرز مواد مؤلمة تزيد التوتر، لذلك الكلمة لها تأثير ونتاج».

ويشير الرعود إلى أن: «الكلمة تشكل أفكاراً ومعتقدات في الدماغ بعد ذلك تظهر انفعالات وتكون إما سلبية أو إيجابية حسب الكلمة،ثم يبدأ ظهور اضطراب في التنفس واضطرابات جسدية واضطرابات في ضربات القلب وفي الأمعاء والقولون واحمرار في الوجه وضعف الإتزان ودوخة وضعف في الطاقة هذه جميعها أعراض جسدية للكلمة، في النهاية تظهر سلوكيات حسب نوع الكلمة إما سلوكيات إيجابية أو سلوكيات فيها عدوانية وتهجم وإيذاء».

ويبين الرعود أنه :«أظهرت الدراسات أن العلاج المعرفي المرتبط بالكلمة وتفسيرها وتحليلها له أثر كبير جداً على الجانب النفسي للشخص، لذلك تعتمد على كل شخص وكيف يفسر الكلمة والمدة التي يستمر فيها تأثير الكلمة عليه».

ويتابع :«مثلاً عالجت شابا في عيادتي لديه وسواس قهري، فهو فسر وتعلم هذا الوسواس من خلال كلمة صدرت من والدته عندما كان طالباً في المدرسة وفي كل يوم وعند عودته إلى المنزل كان يرمي حذاءه في كل مكان، بالإضافة إلى ملابسه يضعها بشكل عشوائي، فكانت والدته تعاقبه كثيراً وتوبخه وهو لا يستجيب، وفي أحد الأيام قالت له والدته إذا لم تنته من هذه العادة ولم ترتب أحذيتك وملابسك وتتأكد أنك وضعت الحذاء بجانب الحذاء سيدخل الشيطان فيه، ومنذ أن سمع هذه الكلمة أصبح يخاف ويضع الحذاء في خزانة الأحذية ويتأكد أنه في مكانه الصحيح ويعو? أكثر من مرة ليتأكد من ذلك، لذلك أصبح لديه شك ووسواس دائماً هل الأحذية مرتبة حتى لا يدخل الشيطان بها؟، لذلك الكلمة لها تأثير نفسي وقد تؤدي إلى أمراض نفسية في المستقبل».

وعن فوائد الكلمة الطيبة يقول الرعود: «تعمل على جذب الآخرين، وتثير مشاعر وإنفعالات إيجابية مثل الود والاحترام، بالإضافة إلى توطيد العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، عدا أنها تثير فكر الآخرين وتحولهم من أعداء إلى أصدقاء، والكلام الطيب يجعل الآخرين يتبعون أسلوب طيب في الكلام، قال الله تعالى :«ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك» (159) آل عمران».

ويرى الرعود أن: «للكلمة الطيبة آثار نفسية وجسدية على الإنسان فهي تعمل على زيادة إفراز هرمونات السعادة في الجسم، وتعمل على زيادة التوازن والإستقرار النفسي، والتركيز بدرجة أكبر حتى يصبح الفرد قادر على اتخاذ القرار والتواصل مع الآخرين بطريقة سوية، فنجد أحياناً أن الشخص المتوتر القلق الذي تلقى كلمات فيها غلاظة وقساوة تدفعه الى التوتر فيضطرب التنفس لديه ويشعر بعدها باضطرابات جسدية مثل ازدياد ضربات القلب والأمعاء والقولون وشعور بعدم الإتزان والدوخة وبالتالي تؤدي إلى سلوك غير سوي مثل العصبية والتهجم على الآخرين».

ويقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل الغرايبة: «إن الكلمة الطيبة فعل السحر في النفس البشرية فمن طبيعة الإنسان (إلا في الحالات الغير طبيعية) أن يتأثر بالكلام الطيب والإيجابي والجميل الذي يسمعه من الآخرين ويخاطب فيه مقومات الخير والود والثقة والتجاوب».

ويضيف: «وإذا كان يقال عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، فإنه يمكن أن يقال بصورة واقعية خاطب الناس كما تحب أن يخاطبوك إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فإذا خاطبتهم بطيبة وإيجابية وود فإنهم سيخاطبوك بارتياح وبنفس الكلمة الطيبة والإيجابية والود، لا بل فسيردون التحية بأحسن منها وسيختارون أطيب الكلمات وأرق العبارات في الرد على ما كلمتهم به، وبما تبين لهم من مشاعرك الإيجابية نحوهم ومخاطبتك المهذبة لهم وودك الظاهر بكلماتك التي خاطبتهم فيها».

ويرى الغرايبة أن: «الإنسان يظهر إنسانيته على حقيقتها من خلال الكلمات الصادرة عنه عند مخاطبته للآخرين، وهي التي تنم عن مشاعره وتفصح عن نواياه تجاههم لذا فإن النصيحة الوافرة التي ينصحها الإنسان المحب للآخرين هو أن يبادروا إلى الإفصاح عن الود لديهم والطيبة في نفوسهم عن طريق ما يتلفظون وينطقون».

ويشير الغرايبة إلى أنه: «يتوقع من الأباء والأمهات وكذلك المعلمين أن يعودوا ويوجهوا ويرشدوا أبناءهم وتلاميذهم إلى اختيار الكلمة الطيبة والأفعال الإيجابية والتي تنم عن المشاعر الإيجابية والنفس التواقة لبناء علاقات متينة مع الآخرين واتجاهات مريحة وأمنة في سلوكهم وتعاملهم».