عمان - عودة الدولة

باتت ظاهرة شغب الملاعب اللفظي والجسدي مصدر قلق كبير في الرياضة الأردنية، إذ لم تعد تخلو مباراة سواء على صعيد الأندية أو المنتخبات من أصوات النشاز والخروج عن النص، حتى أن بعض عشاق الألعاب هجروها بعد أن أصبحت بمثابة محطة موجعة.

في السنوات الأخيرة تابعت الرأي مع أصحاب الاختصاص هذا الشأن المؤرق، وأفردت مساحات واسعة على صفحاتها تنادي بالتصدي لهذه الظاهرة واجتثاثها، بالتزامن مع اقتراحات وضعتها على طاولة المسؤولين، ووجهت العديد من الرسائل لاتحاد كرة القدم بصفته المسؤول الأول عن اللعبة أكثر شعبية.

هذه المقترحات تم تطبيق بعضها وبقيت أجزاء مهمة منها معلقة حتى الآن، وتنتظر الدخول بحيز التنفيذ، والهدف كان لتجنب التعرض لعقوبات خارجية، وفي الوقت ذاته لا يزال أصحاب الاهتمامات الرياضية يتمنون إقرار قانون مكافحة الشغب في الدورة الأخيرة لمجلس الأمة المنتظر أن يتم افتتاحها في العاشر من شهر تشرين الثاني، كأحد القوانين التي يرصدها الكثير من الوسط الرياضي على وجه التحديد لدخولها ضمن دائرة الترقب.

آراء قانونية

يؤكد النائب قيس زيادين المتابع الأبرز لهذا الأمر أنه سيضغط في أول جلسة مقبلة لمجلس النواب لطرح الموضوع تحت القبة وقال لـ الرأي : القانون لم يصل حتى الآن وبعد أن يتم تجهيزه من ديوان التشريع والرأي يتم إرساله من الحكومة لمجلس الأمة بشقيه النواب والأعيان وبالتالي ننتظر ذلك وأنا كنت رئيس اللجنة التأديبية في اتحاد كرة القدم ومتابع للعملية والقانون يضبط أركان اللعبة جميعها.

وأوضح زيادين أن طرح القانون كان منذ الدورة الأولى في مجلس النواب عام 2016 «قانون مكافحة شغب الملاعب ضرورة لوقف التجاوزات واعتقد أنه يجب اعتبار الهتافات المسيئة جزءاً من الشغب في التعريف الرسمي للمادة ونحن في حال وصلنا القانون سندرس المسودات للفائدة الجماعية وربما نطالع مواد في دول مجاورة للقياس عليها».

وحول تكهنات حجم العقوبات أشار زيادين إلى أنها ستكون موازية للفعل وتلائم الوضع، متمنياً في الوقت ذاته تجاوز الظاهرة.

ويعتبر المحامي عمر اللوزي أن الشغب الرياضي سواء داخل الملعب وخارجه هو سلوك عدواني أو لا أخلاقي أو مخالف للقوانين والأنظمة واللوائح المعمول بها والتي تنظم سير المنافسات الرياضية.

واستطرد بذات السياق: شغب الملاعب ظاهرة مؤلمة وآفة ومرض يؤرق المسؤولين عن الرياضة في بلدنا، وتعمل على توتر الوسط الرياضي، ومن أبرز مظاهر شغب الملاعب الهتافات غير اللائقة والشتم والإشارات غير الرياضية وتسييس هذه الهتافات ويصدر الشغب الرياضي نتيجة عدة عناصر والعنصر الأساسي منها هو الجمهور، وغالباً تكون أسباب شغب الملاعب الصادر عن الجمهور لتحقيق الفوز وتحقيق مكاسب إقليمية أو عنصرية وضعف الوعي الجماهيري والتعصب.

وقال اللوزي: أهم طرق الحد من ظاهرة شغب الملاعب هو تفعيل وتطبيق ما تم النص عليه في التعديل الأخير في قانون العقوبات وتحديدا نص الماده (467 مكرر) من قانون العقوبات والتي نصت على أن يعاقب بالحبس كل من أثار شغباً، بحيث يتم تحويل مثيري شغب الملاعب إلى القضاء، وكذلك يمكن الحد من ظاهرة الشغب بنشر كاميرات مراقبة داخل الملعب وتحديد مثيري شغب الملاعب ومنعهم من دخول الملاعب.

ولفت المحامي أحمد منكو (تولى العديد من القضايا بذات الشأن)، النظر إلى أن من الأولى اقامة محكمة رياضية «أحياناً يكون اللاعب أو المدرب أو الاداري هو السبب الرئيس باثارة النعرات التي تنتقل للمدرجات ولم يكن لدينا مادة في القانون تجرم الشغب إلا أنه ورد اخيراً في التعديلات «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة شهور ولا تزيد على سنة كل من أحدث شغباً أو حرض على الكراهية بأي وسيلة كانت في المؤسسات التعليمية والمنشآت الرياضية أو أي مكان آخر امتد اليه الشغب وتضيف المادة نفسها بان العقوبة تكون من ثلاثة شهور ولا تزيد على ثلاث سنوات إذا اقترن الفعل المنصوص عليه بحمل سلاح أو أداة حادة أو القاء مادة صلبة أو سائلة نجم عنها أضرار بـ الغير أو بالأموال الخاصة أو العامة ».

وذكر منكو: بحكم وجودي الدائم في المحاكم لطبيعة عملي، فإن من يتم القاء القبض عليهم يتم ايداعهم للحاكم الاداري بالرغم من وجود مادة مستحدثة تجرم شغب الملاعب ولكي نحد من تلك الظاهرة يجب تفعيل المادة 467 الخاصة بالعقوبات وايداع من يتم القبض عليهم للمدعي العام وليس الحاكم الاداري ومنع المخربين ومن يثيرون الشغب الدخول للملاعب والمنشآت الرياضية وتعميم صورهم على تلك الأماكن.

تيارات مختلفة

يروي الخبير الأكاديمي د. فايز أبو عريضة أن هناك قاعدة في علم النفس «عندما يدخل الانسان ضمن مجموعة يحدث التوتر والانفعال وبالتالي أقترح للتخفيف من موضوع شغب الملاعب والهتافات العديد من الأمور وأهمها زيادة عدد أبواب الدخول للمدرجات وترقيم الكراسي لتسهيل عملية الحضور والمسؤولية تقع على الجميع، وظاهر الشغب والهتافات موجودة في كل دول العالم ولكن وفق اختلافات كثيرة».

وعرج أبو عريضة على جزئيات يجب التركيز والتنويه لها وذكر في هذا الاتجاه: يجب إقامة ورش تدريبية وتثقيفية لبعض مثيري الشغب والشراكة مع الكل وأهم الأشياء في هذا الجانب هو ركن الإعلام لتقديم التنوير الدائم وزيادة الاحتراز قبل حدوث أي من مظاهر الشغب، لذلك درهم وقاية خير من قنطار علاج، حتى أن بعض الدول تستخدم الموسيقى لتهدئة الناس، والمطلوب عدم انتظار الحدث حتى يحدث وإنما اللجوء للحل المسبق وجرى في دول متقدمة ومنها انجلترا على سبيل المثال منع أصحاب الشتائم والشغب من دخول المدرجات لفترات.

ونصح رئيس نادي ومؤسس نادي اتحاد الزرقاء خالد الغويري بضرورة العمل على توعية الجماهير من مخاطر التشجيع السلبي وأثره على المجتمع والدولة وبمشاركة كل الأندية، وتحديث نظام طرح بطاقات الدخول ويجب أن يكون الكترونياً وبحجز مسبق باسم الشخص ورقمه الوطني وتسمية بوابات الدخول وترقيم المقاعد حتى يكون معلوماً من يجلس على المقعد، وتنظيم الدخول والخروج بطريقه سلسة ووضع كاميرات للتعرف على الاشخاص وذلك لتنفيذ العقوبات وغيرها، وتحديد من يقود الجماهير وتحميلهم المسؤولية، وتشجيع العمل على إيجاد شعارات وأهازيج خالية من الإساءة، وتوضيح العقوبات على الفرد الذي يصدر منه المخالفة من إيقاف وغرامة والعمل على توعية الجمهور عبر وسائل الإعلام وبكافة وسائل الاتصال ومقياس تأثيره والعمل على تطوير عقلية الشباب.

كلام المدرجات

اعتبر عمر جهاد عبيدات (مشجع ناشط ومسؤول بعض صفحات مواقع التواصل الإجتماعي)، أن الجمهور بالمنطق والواقع هو الرقم الصعب وصانع ألعاب نوعي وبامتياز في إعلان قرار الفوز غير ما يمتلك من عناصر التحفيز والدعم اللوجستي للفرق.

ولخص عبيدات بعض أفكاره لوجوده الدائم في الصالات والمدرجات «لا أحد يستطيع تغطية شمس الحضور والتميز والزخم والإبداع والانضباط والروح والخصوصية لشكل جمهورنا الأردني بعامة سواء على صعيد الفرق أو المنتخبات محلياً وخارج الديار وما قدمته وجماهير الكرة الأردنية وبخاصة الأقطاب والأطراف إنما يؤكد ويجسد ما نشير اليه، وحالات الاستثناء لا تعبر عامة، نسبة إلى ما تقوم به بعض الفئات من تجاوزات وإن كانت لا تلام لأن الجمهور لا يحضر ويشجع إلا لأنه يحب ويعشق الفوز ولا يقبل غير ذلك وهناك تفاوت في الثقافات والبيئات وأمور اخرى».

ورأى أن شغب الملاعب حقيقة قصة طويلة وتفاصيل كثيرة بحاجة لحوارات وجلسات طويلة وتشاركية الجهات ذات العلاقة «هناك احتقان مجتمعي يطغى وينقل إلى المدرجات ما يتطلب كفاءة في التعاطي مع هذا الأمر عبر أدوات عقلانية وواعية ومن الخطأ تحميل طرف أو جهة بمفردها أية تبعات التجاوز والشغب موجود على مستويات عالمية ومنها دول عتيقة بالرياضة».

وتابع: أسرد مثلاً على محور جمهورنا أن منطقة كفرسوم لها خصوصة اجتماعية وعلاقات متكاملة ومتداخلة ونوعية والكل قريب من بعضه وكله مرتبط ببعضه بالقربى والنسب، ما يقدم حالة مختلفة تبرز واضحة وجلية على المدرجات وتحدث تأثيراً في الملعب وعلى اللاعبين ونحن دائماً نحاول وبالتعاون مع الإدارات بلورة منظومة للجمهور وفق إطار مؤسسي لتعزيز ثقافة الجمهور على المدرجات سيما وأن هناك الكثير تنقصه المعلومات الكافية حول القوانين والانظمة والتعليمات المتعلقة بمختلف الألعاب الأمر الذي يتسبب بظهور الشغب والتجاوزات والحمد لله نحقق في ذلك نجاحات من خلال التركيز على العنصر الشبابي المتعلم وعبر مجموعات متجانسة وقريبة من بعضها لتأسيس نخبة من الجمهور تكون قادرة على إدارة الجمهور وتضبط أي تجاوز وهناك طرق وأدوات للتفاعل والحوار والاقناع نمتلكها وتسهم بتحقيق ما هو مطلوب».

عودة إلى الوراء

قبل العودة لتقليب أوراق هذه الظاهرة مجدداً تسترجع الرأي ما كانت أوصت به كمساهمة منها للحد منها على الأقل:

أولاً: التنسيق مع مجلس النواب لسن قانون خاص بشغب الملاعب ينفصل عن قوانين المشاجرات أو تخريب الممتلكات العامة، ويختص هذا القانون بشكل شامل في قضايا شغب الملاعب وأشكاله داخل الملاعب وخارجها إلى جانب الأماكن العامة على خلفيات رياضية بحتة.

ثانياً: تنظيم عملية دخول الجماهير وخروجها في المباريات التي يسبقها تنظيم خاص، بحيث يفرض طوق امني واسع مع تحديد طرق منفصلة لكل جمهور بالتنسيق مع دائرة السير لضمان عدم تلاقي الجماهير، ما يضمن سهولة القبض على «المتربصين» وقاصدي الشغب وتسليمهم للجهات المختصة.

ثالثاً: وضع كاميرات مراقبة على المدرجات باحدث تقنية بالتزامن مع انشاء غرفة عمليات بادارة امن الملاعب ترصد بشكل مباشر مثيري الشغب مع الاخذ بعين الاعتبار القاء القبض عليهم مباشرة كما يحدث في الملاعب الاوروبية.

رابعاً: تثبيت كاميرات على مداخل الجماهير وعند كل بوابة، بحيث يقوم كل شخص ينوي الدخول إلى الملعب بإظهار هويته الشخصية بشكل واضح أمام الكاميرا مع تأكد أمن الملاعب من الهوية، ويهدف ذلك إلى التعرف على مثيري الشغب في حال تعذر القبض عليهم خلال المباراة، وبالعودة إلى التسجيل، تصبح مسألة التعرف على هوية كل شخص سهلة في حال ارتكب مخالفات على المدرجات.

خامساً: إصدار القوائم السوداء، حيث يسهل ذلك في تطهير الملاعب من مثيري الشغب بمختلف درجاتهم، حيث تعلق صور وأسماء هذه القائمة على مداخل مدرجات جميع الملاعب، ومع تفحص الهوية الشخصية من أمن الملاعب يسهل إبعاد أي شخص محظور من الدخول.

سادساً: منح الصلاحيات لحكم المباراة بالتنسيق مع المراقب لايقاف اللقاء وإخلاء المدرج الذي يصدر منه الهتافات المسيئة أو إلقاء المواد الصلبة على الملعب، ما يؤدي لنبذ هذه الظاهرة وتكاتف الجماهير لمنع خروج الفئة المندسة عن الروح الرياضية تجنباً لإبعادها من الملعب، ويسهل أيضاً بعد ذلك التعرف على مثيري الشغب من الجماهير أنفسهم وتسليمهم لأمن الملاعب تجنباً لإخلاء جميع الجماهير من المدرج المعني في الملعب.

سابعاً: تقليص عدد المقاعد للجماهير المخالفة للتعليمات في المباريات الجماهيرية وإخلاء المدرج الذي اعتاد مثيري الشغب الجلوس فيه على غرار اجراءات الاتحاد الاوروبي.

ثامناً: الإسراع في تغليظ العقوبات مع مراعاة تغيير التعليمات الحالية التي تشير إلى منح أي ناد خمس إلى ست فرص قبل اتخاذ إجراء تأديبي فعّال بنقل مبارياته أو اللعب دون جمهور، بحيث تبدأ هذه العقوبات بعد التكرار للمرة الثالثة.

تاسعاً: تفعيل مسألة خصم النقاط بشكل رسمي علي أي ناد مخالف للتعليمات، ويبدأ الأمر بنقطة ويصل إلى تهبيط الفريق للدرجة الأدنى، بحيث تبقى هذه العقوبات طريقة فعالة لتدخل الاندية بشكل جاد للحد من ظاهرة الشغب.

عاشراً: التفريق بين الهتافات المسيئة «النابية»، والعبارات التي تحمل معاني ودلالات عنصرية، حيث تعد الظاهرة الأخيرة أشد خطورةً على تماسك النسيج الوطني، الأمر الذي يتطلب عقوبات أشد لها.