زيارة سمو ولي العهد لبيوت العزاء لتقديم الواجب بوفاة ثلاثة أفراد من مرتبات الحرس الملكي الخاص إثر حادث سير مؤسف هي محطة ملكية هاشمية ومكرمة جديدة تضاف وتسجل ولكنها تحتاج للوقوف على معانيها ودلائلها خصوصا أن سموه في زيارته الأخيرة لمديرية الأمن العام قبل مدة قريبة قد وجه بضرورة الاهتمام بقضية حوادث السير والعمل للحد منها لأنها قد أصبحت تمثل هاجس قلق يومي للمجتمع، كما أن حرص سموه على زيارة بيوت العزاء في ثلاث مناطق مختلفة وفي نفس اليوم هي بالتأكيد دليل اهتمام وتقدير لسمو ولي العهد بتقديم الواجب بنفسه وهو بالضرورة يترجم التواصل المستمر بتقديم واجب اجتماعي يتميز فيه المجتمع الأردني بالمشاركة في مثل هذه المناسبات الحزينة التي من شأنها التخفيف على أهل المصاب خصوصا عندما يكون الفقيد في قمة مراحل العطاء بل وضحية حادث سير كان من الممكن تفاديه لو استخدم سائقو المركبات الأصول الصحيحة لقيادة مركباتهم والتعامل مع الطريق، فزيارة سمو ولي العهد لبيوت العزاء وهو يرتدي الزي العسكري تعطي مدلولاً ورسالةً أخرى باحترامه للقيم العسكرية في المدرسة الهاشمية وتقديره للزمالة العسكرية حيث أن إصراره على المشاركة في هذا الواجب الاجتماعي وقناعته بأثره على العائلات الثكلى التي افتقدت أبناءها وبزيه العسكري لأنه ملتحق حاليا بدورة عسكرية، فتاريخ العائلة الهاشمية مع شعبها في أفراحهم وأحزانهم بأنهم مشاركون حقيقيون لأنهم قريبون من هموم الناس وحريصون على تفقد أحوالهم بالشكل الذي يليق ويطبق بالأفعال، ولنا الفخر بالقول أن من يعيش على هذه الأرض ينال حقوقه ولن يظلم.

وإذا كانت مناسبات العزاء تحتل مرتبة مقدرة ومعتبرة لدى فئات الشعب الأردني قاطبة وقد حافظ عليها عبر عمر الدولة الأردنية بأصول تبرهن على الأصالة والمشاركة النابعة من قلب الذات بدافع فطري، فإن زيارات ولي العهد لبيوت العزاء اليوم هي تأكيد لحقيقة التعامل بأن الإنسان الأردني هو الثروة الحقيقية للوطن، والمصدر الأساسي لبنائه بالشكل الصحيح نتيجة التفاعل بين القيادة والشعب استمراراً لنهج هاشمي بسنة حميدة توفر للمجتمع غطاء الطمانينة والمساواة، وأتصور أن الحزن الذي كان يعم العائلات على فقدان ابنائها قد اختلط بفرحة شملت جميع الأبناء والحضور من أقارب المتوفين والمجتمع المحيط بهم وعائلاتهم لتشمل المجتمع الأردني الأكبر، فتحقيق التنمية المستدامة ودفع عجلة الاقتصاد والوطنية لتجاوز التحديات التي يواجهها الوطن تتطلب العمل الجماعي والتكاثف والمشاركة، فالوطن للجميع والجميع للوطن، وربما يمثل ذلك التذكير بحقيقة شعارها يطبق على أر ض الواقع، فقد تميزت عبر سنوات الدهر وعبر تاريخ الدولة الأردنية الهاشمية بأن العائلة الهاشمية تنظر وتتعامل مع الأردنيين كأسرة واحدة متحابة متجانسة يجمعها صدق الإيمان والوعي المطلق بالحفاظ على الوطن وتعزيز أهمية بناء جسور الثقة التي تنمو وتكبر من خلال البرامج والخطط والعمل المخلص كل في مجال تخصصه فرغم كل التحديات التي تواجه الوطن أمنيا واقتصاديا وسياسيا إلا أن شعارنا بضرورة بناء الوطن على أسس متينة ضمن منظومة العائلة الواحدة باعتباره حافظا لنا وعلينا واجب المحافظة عليه كل بأدائه المثالي في موقعه، فالعطاء وإدامة النهضة والتطوير للأحسن في كل المجالات يتطلب التضحيات.

نتمنى أن تكون هناك عبر ودروس مستفادة من زيارة سمو ولي العهد لبيوت العزاء التي جسدت السلوك الهاشمي المثالي بمشاركة العائلات المنقوصة بواجب اجتماعي له طقوسه ومعانيه، فنحن ندرك أن الموت حق مهما اختلفت أسبابه وظروفه وتوقيته وندرك أيضا أن عاداتنا السمحة بالمشاركة في مثل هذه المناسبات لها من الأثر المعنوي والفعلي سحر بلسمه يشحن الهمم فينا للتقارب والتحابي ويوقف نزيف الألم ويجفف الدموع وهي مناسبة للتذكير مجددا بأهمية مبادرة المؤسسات صاحبة الاختصاص بالبحث عن حلول ضمن ظروف الواقع للحد من حوادث السير وأثارها السلبية، فكم هو مؤسف أن نسبة الحوادث والضحايا بارتفاع ولنفس المبررات، فالاخفاق في وضع تصور للحلول والعلاج سيؤدي للمزيد وعلينا ألا نجعل من طبيعة الطرق شماعة نعزي فيها أنفسنا.

سيدي صاحب السمو: أعطيت لنا درسا في الأصول والواجب ويقيني أن مشاركتكم اليوم خففت من آلامنا جميعا وهي حديث المجالس لمن يبحث عن سر التميز بفنون امتلاك القلوب والعقول سيدي.