ورد عن الإمام محمد عبده القول «إن الدولة بشريّة و خطّاءة، والدين منزّه، والدولة جامعة لمواطنيها بينما الإسلام نظام الهداية والتقوى والعمل الصالح الجامع للمسلمين».

وكحصيلة طبيعية لآثار المدارس السياسية المختلفة، ساد العزوف عن التوجّهات السياسيّة التقليدية الممثلة لليمين واليسار، ومنها الإسلام السياسي إذ كانت دورته السياسية قصيرة في معظم معاقله كما جرى في مصر أخيراً وقبلها الكثير.

ويمكن اعتبار تراجع شعبية حزب «العدالة والتنمية» في الانتخابات البلدية التركية كواحدة من مظاهر الإنحسار تلك، وهذا دليلٌ على مشكلة التيارات السياسية الدينية التي تثبت مراراً و تكراراً فقدانها للكوابح وتكلّس فكرها وخشونتها في كثير من الأحوال.

فقد أثبتت التجارب جميعها حِدِّيّة السلطات المتّكئة على الدين وصعوبة قسمتها أو انفتاحها على الآخر، وبالتالي إطباق سيطرتها على مفاصل الدولة كما ظهر أخيراً سواء في تركيا إبّان محاولة الانقلاب أو في مصر خلال الحكم القصير للإخوان وغيرها من البلدان، وهذا هو نهج هذه التيارات لدى سعيها نحو السلطة أيضاً كما جرى في مصر على يد التنظيم السري أثناء ولاية حسن البنّا وبعض الجماعات في وسط وشرق آسيا.

وفي ظل هذا التطبيق غير المثاليّ، تأثّر الإسلام السياسيّ وواجه مصير غيره من المدارس الواجبة التحديث والاستبدال، فالتجديد سنّة الأمم، لذا نُقِلَ عن الرئيس الروسي «بوتين» من قول: «إن من لم يشعر بالأسى لسقوط الاتحاد السوفيتي إنسان بلا قلب، ومن يدعو إلى إعادة بناء نفس الاتحاد السوفييتي إنسان بلا عقل».

وبرغم بعض الفروقات بين الدول التي انتهجت الإسلام كعقيدة سياسية، لم تكن المناهج بذات السويّة والوتيرة وهذا دليل على أن إستخدام الدين في السياسة–أيّ دين–يعيبه ويدخل عليه ما ليس فيه ويعرّضه للإجتزاء والتّأويل وفقاً للحاجة، وهذا ما يسمّى بالـ «توظيف».

وفي بلادنا العربية، ظهر التوظيف السياسيّ للإسلام كالفتاوى المتضاربة في مصر خلال الثورة من تحليل و/أو تحريم الاستفتاء على الدستور والتظاهر والإنتخاب، وقد سبق ذلك الفتاوى الطائفية إبّان الانتخابات النيابية البحرينية ٢٠٠٦ وكذلك حركة حماس في بعض المنعطفات وغيرها.

والتاريخ السياسيّ شاهدٌ على أن استمرارية وصمود أيّ نظامٍ سياسيّ مرهونة بقدرته على الجمع لا التفريق، وبعكس ذلك فإن ساعة الرمل تنقلب منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها فرز الأنصار والمعارضين وتبويب حقوقهم بنسبيّةٍ سنداً لعقائدهم.

فأوروبا خلعت ثوب الحكم الكنسيّ فأسّست لحياة جبّت ما قبلها من إرثٍ دمويٍّ لتسير نحو الإتّحاد والحضارة والعيش المشترك.

وإنّ أيّ إختلافٍ أيديولوجيّ بحت ضامنٌ لمساحة من التفاهمات، فالمناهض للفكر مُختلفٌ ومُعارض، بينما المُخالف للعقيدة السياسيّة الدينيّة عدوٌّ وفقاً لمنظور المدارس السياسية الموظّفة للدّين.

وطالما أن جميع الأديان السماويّة داعيةٌ للتسامح وقبول الآخر، وجميعها تُضارُّ بالسّياسة، تبقى أجلُّ وأرفع من أيّ استغلالٍ أو توظيف.