... جاءت سيدة تسألني أمس: (شفت بني)؟, وأنا لا أعرفها ولا أعرف ابنها, كنت جالسا على الرصيف في المقهى, وعلى ما يبدو أنها أضاعت الطفل, وهذا ما فهمته من وجهها الشاحب, وبكائها... من الشفاه المزرقة والتوهان.

وقفت وطلبت تخبرني ماذا كان يرتدي, وكم طوله وما هي أوصافه؟ ثم مشينا مع بعضنا في جبل عمان, في الأزقة وبين الأحياء, وأنا لم أعرف ساعتها هل أبحث عن طفلها أم أحاول أن أجعلها تصمت قليلا أو توقف نحيبها وجنونها الذي جعل كل من في الشارع ينظر إليها.

وفي لجة البحث, اكتشفت أنها (حافية), ويبدو أنها لشدة وجعها لم تشعر بحذائها, الذي فقدته.. ولم تشعر بعيونها فالدمع يبدو أنه جف, وصرت مثلها تائها, وكلما وجدت طفلا سألتها عنه, وتجيبني (مش ابني).

في النهاية وجدنا الطفل, يلهو مع قطة, عند سور الكلية العلمية الإسلامية ويبدو أنه قرر أن يلحق بها, ويلعب معها...

حين وجدته احتضنته, وبدأت تبكي... تارة تقبله, وتارة تصفعه بخفة, ثم تعاتب الطفل, ويبدو أنها أصيبت بحالة من الهستيريا, لمدة دقائق وبعد ذلك استفاقت من صدمتها, ثم حملته وطوقته بيديها, ومشيت خلفها كي نعود إلى سيارتها... وفي الطريق, ظلت تقبله على أنفه وفي زاوية العين وعلى رأسه... وكأن الحياة عادت لها من جديد.

وصلنا وركبت سيارتها, ووضعت طفلها في الكرسي الخلفي, ثم قالت لي: شكرا, ولحظة ركوبها السيارة, لفت انتباهي الحذاء, فقد وجدت حذائها على طرف الرصيف, حاولت أن أناديها.. كي تأخذه, لكنها غادرت حافية القدمين.

في النهاية هي وجدت طفلها, وأنا وجدت الحذاء...

غادرت مع طفلها, تركت لي دمعها ولوعتها.. والحذاء.

الشعوب العربية, في رحلة البحث عن حريتها... تنتهي مثلي تماما, فثمة من يختطف تلك الحرية, ويمضي.. ويترك على الرصيف ما تركته تلك السيدة

Abdelhadi18@yahoo.com