ملك يوسف التل

ليس أفضل للصحفي من أن يجد مسؤولاً سابقاً، برتبة وزير داخلية مثلا، في حالة غضب، ولديه من الشواهد والمبررات ما يبرر بها عدم رضاه، وليس من مواقع المعارضين السياسيين.

هذا اللقاء يصل ذروة التشويق عندما يكون المسؤول السابق جريئاً واضحاً وصاحب عقلية ومزاج شخصي مؤسس على المنطق والنزاهة.

رجائي الدجاني كان وزيراً للداخلية خلال أحداث معان 1989، وتدرج قبلها، في دائرة المخابرات العامة، وبعدها تولى مسؤوليات وزارية بينها حقيبة النقل التي منحته قوة الحجة في الحديث اليوم عن الكيفية التي تختنق فيها العاصمة.

لدى الدجاني، من الخبرة والجدية والنزاهة الموصوفة، ما يجعل حديثه أيضاً عن الفساد وعن الأزمة الاقتصادية – السياسية الأردنية المُركبّة، أكثر من شيّق.

لو نستعيد مع الأجيال الجديدة التي لم تشهد تلك المرحلة وكنتم في عين العاصفة، في أحداث معان 89. لنستذكر تفاصيل مما تشعرون انه يتوجب قوله بعد ثلاثين سنة:

بالتقصي أقول إن أحداث معان تقع على خلفية سياسية من التي تحصل عند المنعطفات التاريخية. ومن خلال قراءاتي للتطورات المتلاحقة، ومتابعتي للأحداث التي جرت في الـ 89 والتي كانت نقطة تحول في مجرى الحياة السياسية في الأردن ونهج الحكم، فإنني أصل لقناعة أن ما جرى في مدينة معان، لم يكن قائما على دوافع ومؤثرات داخلية فقط كما أن أعمال الشغب التي وقعت في معان تقع على خلفية ارتفاع تسعيرة المحروقات في الظاهر، والتي تنعكس على وسائط النقل أولا وغيرها ليست السبب الرئيس فقط لأن الوضع العام كان في حالة احتقان لاشك في ذلك بسبب الوضع الاقتصادي، وإنما كان لها مؤثرات خارجية وممارسات تتصل بأهداف بعيدة المدى ليس في الأردن فحسب وانما في منطقة شرق البحر المتوسط بشكل عام، للمرحلة القادمة وظهور بوادر تفكك الاتحاد السوفياتي وما أعقبها أدت إلى سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي وما يترتب من نتائج في المنطقة كلها والتحضير لنظام عالمي جديد.

إن ما جرى لم يكن عملا عفويا أملته ظروف الداخل فقط، وانما كان عملا مفتعلا فرضته واستثمرته مصالح قوى أخرى كانت تخشى العلاقة الأردنية العراقية وتطورها ودور الأردن فيما كان يجري. الأمر الآخر وهذه قناعتي الشخصية، أرد بها على كل المفترين والكذابين لأن الصورة الحقيقية كُشِفت وفُضِحت علناً والكل يعرف ذلك وشاهده على أرض الواقع فكان لابد من حملة الهستيريا التي وجهها المفترون فكان لابد من اختراع ما قالوه على أن وزير الداخلية «بطش» بشعب معان.

هذا كله هراء وافتراء فلا الأمن العام ولا قواته بطشت بأحد. العكس هو الصحيح–أن الذين اشتركوا بأعمال الشغب- هم الذين بطشوا بالشرطة وبالأمن واستخدموا السلاح وإعتدوا على الممتلكات العامة والخاصة من مكاتب وبنوك ومخازن وشاحنات وذهبت محتوياتها وحمولاتها على الطريق الرئيسي (العقبة/معان)، وبعد ذلك تم احتواء العملية بسلاسة بعيدا عن العنف لا كما يدعي البعض ودون ذلك افتراء وتهويل ولا يفوتني أن الحشد الإعلامي الغربي كان ملفتا للنظر في ذلك اليوم فما معنى ذلك كان ينتظرون التحرك للاحداث وأعمال الشغب!

هل كانت الأحداث جزءا من متغيرات اممية تستوجب ادخال الأردن في نظام عالمي جديد؟ هل كانت هناك تدخلات خارجية مباشرة؟ وكيف تحولت الأزمة إلى فرصة وطنية بنقل الدولة إلى مرحلة جديدة من التعددية والحياة النيابية؟

القصد مما حصل هو هزّ الوضع في الأردن من أكثر منطقة آمنة وهي معان. أحداث معان مرتبطة مع جهات في الخارج، الدوافع خارجية كما قلت بداية. وتم استغلال تأزم الوضع الاقتصادي المحتقن فكانت الشرارة التي انطلقت لكي تشعل البلد ويهزوا الأردن والنظام في الوقت الذي كان الملك الحسين في زيارة رسمية للولايات المتحدة. علما بأن معان المكان الأقل تضررا من رفع أسعار المحروقات وغيرها في ذلك الحين لأسباب يعرفها الجميع.

ما أريد توضيحه ان مجلس التعاون العربي الذي تم تأسيسه في بغداد في 16شباط 1989 بعد انتهاء حرب الخليج الأولى ليجمع كلاً من جمهورية العراق والمملكة الأردنية الهاشمية واليمن الشمالي وجمهورية مصر العربية العائدة حديثًا إلى الحضن العربي بعد تجميد عضويتها بالجامعة العربية إثر إبرام الرئيس المصري أنور السادات معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، تم تأسيس هذا المجلس بعد تأسيس مجلس التعاون الخليجي الذي يجمع ست دول عربية مطلة على الخليج العربي عدا العراق، وكان مخططًا لهذا المجلس أن يقوم بدور ريادي في المنطقة لولا الحروب التي أتت عليها، حيث الرغبة في توثيق عرى التعاون والتكامل الاقتصادي فيما بين أعضائه، وهذا الاتحاد لم يكن بذلك اللحمة التي تجمع هذه الدول بقوة، مثلما يجمع مجلس التعاون الخليجي أعضاءه، لكن لديهم مخاوف بأن هذا الاتحاد ضد مصالحهم، وبدأت المخاوف تتزايد مع تزايد العلاقات الأردنية العراقية. لأنهم يعرفون أن موقف مصر مائع وغير جدي واليمن بعيد جغرافيا لكنه قريب من دول الخليج لكنه محسوب على السعودية. لكن المخاوف لم تكن مبررة لأنها لم تسهدف هذه الدول وخاصة المملكة السعودية وهي دولة مجاورة والتي تربطها بالأردن علاقات متينة ومصالح متعددة لا يستطيع الأردن أن يفرط بها لأي سبب كان.

كيف تحولت الأزمة إلى فرصة وطنية بنقل الدولة من مرحلة جديدة من التعددية والحياة النيابية؟

ما حصل تبين من خلال الأحداث التي وقعت وإمتدادها إلى باقي مدن المملكة لأنه يوجد حالة من الضيق لدى الناس احتقان بسبب الوضع الاقتصادي، فلم يكن هذا الوضع مريحاً، فما إن وقعت أعمال الشغب في معان وانتشر الخبر إلا وبدأت تنتقل إلى الكرك السلط واربد وعمان وغيرها. وكان لابد لمؤسسة الحكم من فتح الطريق لمرحلة جديدة لإحتواء الوضع بشكل عام وتغيير النهج كليا وذلك بإجراء إنتخابات وبرلمان معبر عن الطيف الشعبي والسياسي.

قيل أنها أحداث عفوية عبر فيها الناس عن احتجاجهم في فشل الحكومة في معالجة الأوضاع الاقتصادية:

هذا الأمر صحيح لكن ليس في معان وقد وضحت الأسباب. هذا فيه تبسيط للأمور رغم أن هكذا أحداث تنتشر عادة إلى باقي المدن على خلفية استياء الجمهور من الأوضاع ومن أداء الحكومة؛هذا أمر طبيعي. قبل يوم واحد من وقوع الأحداث دعا الأمير الحسن نائب جلالة الملك إلى اجتماع في الديوان الملكي حضره عدد من الوزراء المختصين ورئيس الأركان ووزير الداخلية ومدير الأمن العام والمخابرات ووزير التربية والنقل والاعلام ومدير التلفزيون والاذاعة وآخرون، وجرى استعراض الأوضاع الداخلية وما يمكن أن يترتب من نتائج وقرارات الحكومة المتعلقة بزيادة الرسوم الجمركية على بعض السلع. وقد استقر الرأي ان هذه القرارات عادية ولا يمكن ان تكون سببا لأي اعتراض أو احتجاج باستثناء المحروقات وكانت زيادتها طفيفة ومعالجة ذلك سيكون بزيادة تسعيرة النقل على الطرق مع أنها تنعكس على أمور أخرى كثيرة. بدأت وزارة النقل تعمل بسرعة لإصدار كشوفات تتضمن التسعيرة الجديدة حيث لم يكن بالامكان تعميمها على المواطنين إلا بواسطة الصحف في صباح اليوم التالي لصدور قرار الحكومة هذا ما حصل.

ما قاله البعض يومها هو استنتاج خاطئ غير واقعي لأن زيادة الأسعار على مثل هذه السلع لا تثير الناس بهذا الأسلوب والحدة. المواطن يحتج على سلع رئيسية كالخبز والمحروقات والزيادة على المحروقات كانت لا تذكر بمعايير هذه الأيام يا سيدتي، وليس على المشروبات الروحية والغازية والسجاير.

حصل اعتقالات؟

نعم حصل اعتقالات وتم القبض على عدد كبير منهم بحدود 350 شخصا من مختلف مدن الجنوب. جرى فرز الخاضعين للتحقيق لتنحصر المسؤولية في 50 شخصا ممن توافرت المعلومات والأدلة القطعية عنهم سواء عن طريق شهود العيان أو المعرفين وهذا إجراء تمهيدي لإحالتهم إلى التحقيق القضائي والمحاكم المختصة، وما حصل ان الحكومة استقالت وصدرت عن الحكومة الجديدة أوامر إلى مدير الأمن العام لإخلاء سبيل المعتقلين دون استكمال إجراء التحقيق وأغلق الملف.

موضوع الخيار الأردني كطرح - مؤامراتي قديم ـ يبدو للبعض وكأنه يتجدد الآن هل تراه كذلك؟

هذا موضوع سبق أن طرحه شارون والناس ابتلعته، فنحن في العالم العربي شعب لا يقرأ التاريخ ولا يدرك خلفيات الأحداث، هناك مكونات في الداخل وهو الأردني من أصل فلسطيني، فلا يمكن لأي فلسطيني أن يتخلى عن فلسطينيته، ولا أحد منهم ينسى فلسطين، ولا يقبل بأي وطن آخر بديل عن فلسطين.. الفلسطيني جاء إلى الأردن لاجئاً بعد أن اجتثوه من أرضه وفقد بيته وأمواله ومقدراته وإمكانياته في وطنه، فلا يوجد وطن بديل عن فلسطين أبدا.

بالنسبة لي من ناحية سياسية لا تعنيني السياسة لقد إنتهينا، أنا حريص على الأردن واحبه حيث نشأت فيه أنني واحد من الناس الذين خدموا هذا البلد بأمانة وإخلاص والله أعلم، ولا أحب لأحد أن يمسه بسوء، لكنني لست معنياً سياسيا، إذا التزمنا بالموقف الذي أقوله أن وطننا هو فلسطين وليس الأردن مع الفارق أن الأردني من أصل فلسطيني يحمل الجنسية وهذا يرتب أموراً كثيرة معروفة حاله حال الفلسطيني في سوريا ومصر فهو مواطن سوري من جميع الوجوه بإستثناء ممارسة الحقوق السياسية من انتخابات وترشح، فمثلاً سوريا استقبلت اللاجئ الفلسطيني وأعطوه وثيقة سفر لاجئين حتى يتنقل بها، وأتاحت له فرصة العمل في كل الأماكن (القطاع الخاص والقطاع العام) ما عدا الترشح للبرلمان والمجالس البلدية، هؤلاء عاشوا كمواطنين سوريين، لهم كافة الحقوق وعليهم كامل الواجبات لكنهم ليسوا مواطنين سوريين، أما بالنسبة للبنان فقد حرموا من 175 وظيفة أو عملاً، ومنعت عليهم العمل في كل المجالات، فعاشوا في مخيمات بمنتهى الشقاء والفقر حتى هذا اليوم وخرجت عليهم مؤخرا بتطبيق القانون اللبناني على اللاجئين حتى ينزعوا عنهم صفة اللاجئين هذا تصرف وراءه دوافع أجنبية تخدم المشروع الصهيوني وله علاقة بموضوع إلغاء منظمة الهجرة الدولية.

في الأردن، الفلسطيني دخل إلى الأردن مواطناً فلسطينياً وأصبح أردنياً بموجب قانون رقم 11 لسنة 1949، وينص على أن كل ما كان مقيماً في الضفة الشرقية أو الضفة الغربية بعد حرب عام 1948 يعتبر أردنياً من جميع الوجوه، فعندما وقعت حرب 1967 واحتلت إسرائيل الضفة الغربية وسكانها مواطنون أردنيون تحت الإحتلال مع العلم أنه في عام 1948 عندما ضمت الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية، بمن فيها من سكان وأصبحت جزءا من المملكة، والشعب يقيم فيه على أرضه فلسطين.

ما تزال إثارة شبح الوطن البديل مستمرة حتى الآن: هل من جهة تحاول العمل على ذلك؟

موضوع الوطن البديل ليس جديداً بل هو قديم يعود إلى بدايات تنفيذ المشروع الصهيوني وهو بذلك قديم جديد. فمنذ عام 1917 عندما احتلت بريطانيا أرض فلسطين العربية بعد خروج القوات العثمانية بعد صدور ما يسمى بـ (وعد بلفور) وذلك لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين العربية هكذا وبكل الصفاقة والوقاحة بإعتبار أن الفضاء الجغرافي الفلسطيني يعتبر بالنسبة لبريطانيا من غنائم الحرب ولها حق التصرف في هذه الغنيمة كما تشاء.

في عام 1921 قام السير ونستون تشرتشل وزيرا للمستعمرات البريطانية بتعيين اليهودي الصهيوني السير هيربرت صاموئيل مندوبا ساميا عن فلسطين المحتلة الواقعة تحت الانتداب البريطاني وذلك للبدء بالتحضير والتمهيد لإقامة الوطن القومي لليهود في أرض فلسطين وإحلال اليهود القادمين من أوروبا محل الشعب العربي الفلسطيني وعليه لابد من إيجاد ملاذ يحتوي الشعب الفلسطيني الذي سيخرج من فلسطين حسب المخطط المرسوم لإفراغ المكان للقادمين الجدد وسيعتبر الملاذ وطناً بديلاً عن فلسطين عند التنفيذ، وكان الأردن هو البلد المرشح لهذا المخطط بحكم الجوار بعد تقسيم سايكس بيكو للمشرق العربي وباعتبار الشعب في الفضاءين الفلسطيني والأردني رعايا الدولة العثمانية العلية شعبا واحدا مع إخوانهم في بلاد الشام التي تقع الأردن وفلسطين من ضمنها لأن الانتداب البريطاني يشمل الأردن وفلسطين معا.

ما أريد قوله تجدد طرح الوطن البديل بعد استقرار دولة الاحتلال في فلسطين بعد حرب 1967 باحتلال كامل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر، وكان لزاما على القيادة الصهيونية تنفيذ المخطط بطرد جميع سكان فلسطين العرب وفي هذه الحالة لابد من إيجاد وطن بديل لهم لأن فلسطين حسب المخطط الصهيوني الإستيطاني الإستعماري الأمبريالي هي لليهود فقط وليس للعرب الفلسطينين مكان فيها. طرح هذا الأمر رئيس الوزراء الصهويني شارون وذكر بالإسم أن الأردن هو وطن للفلسطينين وعليهم أن يذهبوا هناك لا مكان لهم في فلسطين. هذه الخلفية تعطي الجواب على السؤال المطروح لكن الشعب الفلسطيني لن يرضى أي وطن بديل عن فلسطين مهما طال الزمن فالأردن هو وطن الأردنيين إخواننا وأحباؤنا وفلسطين وطننا الحبيب الذي لن ننساه أبدا نحن وأولادنا وأحفادنا إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا.

استراحة

مجرد ذكر اسم المخابرات يرتعب الناس:

هذا هو الانطباع العام، ولكنها ليست الحقيقة، من يطلب للمخابرات من لهم نشاطات مرصودة.

(ياما في السجن مظاليم) ما صحة هذا القول كرجل مخابرات سابق؟

لم أرَ أحداً دخل المخابرات وكان مظلوماً خاصة في عام 1966عندما حصلت اعتقالات للأحزاب، فكل الذين دخلوا المخابرات هم أعضاءً مسجلون في الأحزاب. ولا يوجد أحد يصل المخابرات مظلوماً.

مارستم معهم التعذيب؟

اطلاقا... لم يمارس التعذيب على أحد منهم.

رجل مخابرات وإراحة ضمير معادلة صعبة:

لا ليست صعبة، ولا أتذكر أنني قمت بعمل لا يرضي ضميري، أنام على سريري مرتاحاً ولله الحمد، ولم أندم على ما قمت به في حياتي.

كم من المرات شعرت أنك ظلمت أحد الأشخاص ولا تستطيع الاعتراف له بحقه؟

قلت لك لم أظلم أحدا، ولدي الجرأة الكاملة بأن أقول إذا كنت أخطأت مع أحد.. لم أخطئ مع أحد ولا أذكر أني ظلمت أحدا.

شخصيتك حادة... من الذي ترك أثراً سلبياً عليها؟

لا أحد، ولا أهتم لأحد ولا أخشى إلا الله..