تبدو الرسالة/التغريدة التي أرسلها رئيس إقليم كردستان السابق مسعود بارزاني للرئيس الأميركي, وقد صيغت بعناية لافِتة محمولة على غموض يَستبطِن احتمال الإقدام على خطوات لم تحسِبها الأطراف المُنخرِطة سِراً وعلناً في العدوان الثالث العثماني على سوريا, غزوة تُهدِّد بحدوث انقلاب في معادلة التحالفات والإصطفافات التي تبلّوَرت في السنوات الأربع الأخيرة, وتحديداً منذ الإنخراط الروسي المباشر في الأزمة السورية, بدءا من 30 أيلول 2015 وليس انتهاء بما أسفر عنه مسار استانا والقِمم التي عقدها الثلاثي الضامن الروسي، الإيراني والتركي, وما شاب علاقاتِهم من توترات وشكوك ومناورات استهدفت تحسين شروط التفاوض أو تحقيق مكاسب أكثر, ودائما في لعبة شراء الوقت التي طالما لجأ اليها أحد اضلاع هذا المثلث (غير المتساوي الاضلاع) وهو التُركِي.

»...عزيزي الرئيس ترمب، الرجاء أخذ العلم، بأن شعب كردستان لطالما سعى لحقوقه العادلة».. أحد عبارات التغريدة/الرسالة التي أرسلها بارزاني لترمب, وهي عبارة أعقبَت العبارة «المَلغومة» والأكثر إثارة وهي قول الرئيس بارزاني: أن «دماء الأكراد أغلى من المال والسلاح»..

هنا يَردّ بارزاني بكلام لا يحتمل التأويل أو أي تفسير آخر, بأن التبريرات التي سُقتَها مستر ترمب بـِ «خذلانك» ا لكرد..لم تُقنِع احدا، خصوصاً ان هؤلاء «اطمأنوا» وعودِك وها أنت تخلَيّت عنهم وتركتهم لمصيرهم ارضاء لحليفك الأطلسي, ما بالك عندما تَصِف «المتركون» هؤلاء بـ «المقاتلين الشجعان»، وانهم شعب ممتاز، هزموا تنظيم داعش، وكانوا جزءاً فعّالاً من التحالف ضد الإرهاب»؟.

هنا يحضر السؤال الكردي في شكله العمومي, الذي عاد مجدداً إلى صدارة الأحداث والاهتمام الدولي وتوتّر إقليمي غير المسبوق, رغم ان تركيا غدت معزولة ومُدانة على نحو لم تتوقَّعه ولم تأخذه – غروراً –بالإعتبار. ما يلفت في تغريدة بارزاني, انه تحدّث كزعيم لـِ «كل» الكُرد, وجاء على ذكر «البيشمركة» التي هزمت داعش, رغم ان كرد سوريا لا يستخدمون وصفاً كهذا بل قوات حماية الشعب(YPG) وقوات سوريا الديمقراطية «قسد», وكانوا – وما يزالون ربما – على خلاف مع إربيل حليفة أنقرة في مواجهة كرد سوريا حتى 25 أيلول 2017, عندما وقفت تركيا ضد استفتاء «الإقليم» الشهير وأسهمَت بفعالية – مع العراق وايران – في فرض حصار خانق على كردستان العراق, الى ان فشِل الإستفتاء وما ترتّب عليه.

هنا ايضا يحضر السؤال الكردي..السوري, وما قارفَه كرد سوريا وما سعوا اليه, لتكريس انفصال مُتدحرج عن دمشق إطمئنانا لوعود اميركية (وإقليمية بعضها..عَربِي) لِخلق اقليم فيدرالي يتمتع بأكثر من حكم ذاتي مطلق الصلاحية, وكيف ارتكبوا غلطة العمر عندما حاولوا وضع دمشق في مأزق, برفضهم التخلي عن «عفرين» رغم عِلمهِم انها معركة خاسرة؟.

ليس ثمّة من فرصة سانحة الآن لاستدراك الأمور والتعاطي بمسؤولية, عبر مسارعة كرد سوريا إعلانهم غير المُتلعثِم تراجعهم عن خياراتهم الإنتحارية, والإيمان بأن سوريا وطنهم النهائي وهي الحاضن وهي الجامع والطريق لدحر الغزاة, واستعادة الوحدة الوطنية وتحرير التراب السوري.

kharroub@jpf.com.jo