أبواب - د. عامر العورتاني أخصائي علم اجتماع

لا شك أن العالم الذي نعيش فيه اليوم يتميز بالصراع الدائم من أجل الأهداف والغايات، والتضارب في المصالح والاحتياجات، والتنوع في الأفكار والثقافات، عالم يتميز بأن لكل أمة ثقافة، تمثل رصيدا معرفيا لشعوبها، يحمل مضامين اجتماعية وحضارية إلى جانب ما تضيفه خبرات الشعوب وتجاربها وانجازاتها في المجالات المعرفية والإبداعية والفكرية والفنية وغيرها .

والثقافة هي الإطار العام الذي يحدد المضمون الفكري لسمات المجتمع، ذلك أنها ثمرة النشاط الفكري الإبداعي والنتاج الماديّ المرن الذي يحققه الإنسان، والثقافة بالتالي تشكل الإطار العام لنمط العلاقات بين الأفراد وتفاعلهم في المجتمع، حيث تجعلهم الثقافة المشتركة يتصرفون بطريقة منسجمة وموحدة.

والحقيقة أن التعريفات التي تناولت مفهوم الثقافة بحسب طبيعتها ومضمونها تكاد تجمع على أن الثقافة هي كل ما تتوصل إليه جماعة أو أمة من نتاجات فكرية وعلمية، وقيم وعادات وأنماط سلوكية تمثل إنجازات هذه الجماعة عبر مسيرة حياتها التاريخية، بما في ذلك الأساليب التي تستخدمها لنقل هذه المعارف والخبرات عبر الأجيال المتتالية .

تمثل الثقافة طبيعة المجتمع وأساليب التفكير التي تجمع بين أفراده، فلا يمكن فهم بنية أي تنظيم اجتماعي لأي مجموعة من الأفراد إلا من خلال معرفة طبيعة ثقافتهم، وبيان عناصرها، وإدراك هويتها، وأبعادها الاجتماعية.

إن شخصية الفرد تنمو وتتطور من جوانبها المختلفة داخل الإطار الثقافيّ الذي تنشأ فيه، وتتفاعل معه حتى تتكامل وتكتسب الأنماط الفكرية والسلوكية التي تسهل تكيّف الفرد مع محيطه الاجتماعي العام، حيث تندمج خبرات الفرد التي يحصل عليها من البيئة المحيطة مع صفاته التكوينية لتشكل معا وحدة طبيعية متكاملة تكيّفت عناصرها بعضها مع بعض تكيّفا متبادلا، وهذا ما يحصل من خلال عملية التثقيف التي يتم الوصول من خلالها بالفرد إلى إتقان معرفة ثقافته، وينتج عن هذه العملية أن يتلاءم مع حياته الاجتماعية .

يجب الإشارة هنا إلى أن الثقافة تعليمية ،بمعنى أن ما هو ثقافيّ لا يورث بيولوجيا، وإنما يتم تداول معطياته الفكرية والعاطفية والماديّة عن طريق الاستيعاب الذي يجعل من الثقافة إرثا اجتماعيا، مما يجعل الثقافة تتداخل مع التنشئة الاجتماعية.

وكما أن المشاركة خاصية تدل على أن المعيار الأساسي للظواهر الثقافيّة هو اشتراك الفرد كعضو في المجتمع مع مجموعة من الناس في المواقف المختلفة، فالثقافة ضرورة ملحّة لكل فرد في المجتمع لما لها من دور في تكوين الفرد وتشكيله .

من المؤكد أن ثمة علاقة وثيقة بين الثقافة والشخصية الاجتماعية، ذلك أن أنماط الشخصية المختلفة تؤثر تأثيرا عميقا في تفكير المجموعة بكاملها من جهة، لترسخ من جهة أخرى بعض أشكال السلوك الاجتماعي في بعض الأنماط المحددة من أنماط الشخصية حتى وإن تلاءم معها الفرد بصورة نسبية.

تكوّن الحياة الاجتماعية في أي مجتمع نسيجا متكاملا من الأفكار والنظم والسلوكيات التي لا يجوز الفصل بينها باعتبارها تشكل البنية الثقافيّة المتكاملة في المجتمع، وتحدد درجة مستوى تطوره الحضاري، فالبيئة الثقافيّة تؤثر تأثيرا فاعلا في تشكيل شخصية الإنسان وفق الإطار المرجعي الذي يحدده المجتمع وخاصة في الجانبين العقلي والأخلاقي، ولهذا تمثل الثقافة دورا أكثر شمولية وأشد تأثيرا في التنشئة الاجتماعية.

في العصر الحديث استخدمت الثقافة لتشير في إطارها العام إلى مفهوم واسع يشمل كل ما يهذب النفس الإنسانية ويطورها، والتي تترجم إلى مكتسبات فكرية وسلوكية تعبرعن طبيعة المجتمع ونسيجه الماديّ والمعنويّ، مما يدفعنا إلى القول إن الثقافة لا تقتصر على الإنتاج الفكري والأدبي والفني، ولكنها تتسع لتشمل تلك الأنساق المعرفية، والقانونية، والتربوية، والعادات، والتقاليد في الملبس، والمأكل والمشرب، والمسلك، والعلاقات بين الأفراد والجماعات، وبتعبير أشمل كل ما يعطي الشعوب خصوصيتها .

وكما أن المجتمعات في تغيّر مستمر، فإن الثقافة كذلك دائمة التغيّر، وقد يكون هذا التغيّر بطيئا أو سريعا، إلا أن سرعة التغيّر الاجتماعي والثقافيّ ونطاقهما واتجاهاتهما تختلف من مجتمع إلى آخر، فالتغيّر الثقافيّ يعني التغيّر في العناصر الماديّة واللاماديّة ويحدث عن طريق الاختراع أو الاستعارة أو الإقتباس من ثقافات أخرى نتيجة الاتصال بين الثقافات.

نجد أنه عندما تتغيّر الثقافة يتغيّر المجتمع، فالثقافة من صنع الإنسان مما يعني أن التغيّر الثقافيّ يشمل عملية تغيّر إنساني واسعة، وتنمو هذه العملية وتتطور بشكل مستمر بالفكر المبدع والابتكار، فالاستمرارية وقابلية الانتشار من خصائص الثقافة الأساسية.

والتغيّرالثقافيّ يشمل كل التغيّرات التي تحدث في كل فرع من فروع الثقافة بما في ذلك الفن والعلم والفلسفة، بالإضافة إلى التغيّرات التي تحدث في صور وقواعد التنظيم الاجتماعي .

ويستقبل الناس التغيّر عادة بشيء من الحذر، كما أنهم يتقبلون التغيّرالماديّ أسرع مما يتقبلون التغيّر اللاماديّ، فالتغيّرالماديّ يؤدي إلى تغيّرات قد تكون ملموسة الفائدة بالنسبة لهم، في حين أن التغيّر اللاماديّ يعني تخليهم عن العادات والتقاليد التي غرست فيهم منذ مرحلة الطفولة، لذلك نجد انفصالا دائما بين التقدم التكنولوجي والتغيّر في القيم، والسبب في ذلك يرجع إلى كون التكنولوجيا تتغيّر (بالإضافة) أما القيم فتتغيّر ب (الإحلال) أي بالتخلص من الاتجاهات والعادات والمثل القديمة، وإحلال الاتجاهات والعادات والمثل الجديدة محلها .

إذا فالتغيّرالثقافيّ هو التبدل في عناصر الثقافة الماديّة والمعنوية، وتنطوي طبيعة هذا التغيّر على موضوعين أساسيين ومتداخلين ومتكاملين هما : الإنتشار الثقافيّ ويشمل أنماط الإتصال وأساليبه وظروفه وأهدافه ونتائجه، والموضوع الثاني يتعلق بالتكيّف الثقافيّ الذي يتضمن العمليات الناتجة عن تماسّ ثقافتين مختلفتين تماسّا مباشرا .

ويشير التغيّرالثقافيّ إلى عملية التحول الذي يحدث في البناء الاجتماعي من حيث أنماط العلاقات الاجتماعية والثقافة الماديّة وغير الماديّة، فالتغيّر الاجتماعي يتضمن التحول الذي يحدث في البناء الاجتماعي من حيث أنماط العلاقات الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي، والنظام الاجتماعي، وأنماط المعيشة، بينما يتضمن التغيّر الثقافيّ التحول الذي يحدث في المعايير الاجتماعية من حيث القيم والمعتقدات، والأفكار، والمعرفة، وأساليب التفكير، والتغيّر في المشاعر، وغيرها من عناصر الثقافة اللامادية، إضافة إلى عناصر الثقافة الماديّة التي تتمثل فيما يصنعه الإنسان من آلات وأدوات .

بناءً على ذلك فإن السلوك يعكس أفكارا وقيما ثقافيّة، فالتغيّر الثقافيّ عملة شاملة لميادين متعددة، ولكنها غالبا ما تكون متكاملة في اطار النظام العام في المجتمع، حيث تتبادل التأثير والتأثر في إطار عملية التغيير الثقافيّ المتعدد الجوانب، فالتغيّر الاجتماعي يشير إلى تبدل في أنماط التنظيمات الاجتماعية لجماعات معينة تعيش ضمن مجتمع معين، فيما يشير التغيّر الثقافيّ إلى ظهور صفات جديدة ومركبة تمثل الجوهر الثقافيّ .

إن ثقافة أي مجتمع ليست محكومة بالأسس التي تقوم عليها والآفاق التي تتطلع إليها فقط، وإنما يكون مستقبل أي ثقافة من الثقافات محكوما عليها من خلال واقعيتها وتطلعاتها وفي مقدار ما تفتحه أمام الفرد من مجالات وخيارات .

لذا فإن على المؤسسات الاجتماعية- التربوية في ظل ظروف التغيّر السريع تكنولوجيا واجتماعيا، أن تحقق الموازنة بين غرس الثقافة التقليدية للمجتمع، وبين تنمية قابلية التجديد والتغيّر لدى النشء.