عمان - أحمد الطراونة

استضاف بيت الثقافة والفنون حفل توقيع ديوان «هسيس الرغبة» للشاعر د.خلدون امنيعم وسط حضور نوعي استطاع التقاط لحظة الشعر من هسيس الرغبات الجامحة في الكلام، فأحالها الى رغبة في البقاء تحت سطوة هذا الكائن الذي لايرى «الشعر».

الامسية التي تحدث فيها الناقد والشاعر حسين نشوان، والشاعر والتشكيلي محمد العامري، وأدارها الشاعر علي الفاعوري، وقّع فيها الشاعر خلدون امنيعم ديوانه وقرأ مجموعة من القصائد المنتقاة من الديوان بمشاركة الفنان سعد بني عامر في عزف على القانون.

ويرى الشاعر والتشكيلي محمد العامري اننا نستطيع ان نرصد في «هسيس الرغبة» تيارًا جارفا في النزوع نحو دراميّة النص وتثويره عبر أقنعة مركبة، فتارة تتمظهر الأقنعة في سياق «القناع الديني» أو الصوفي على الأرجح، ثم تنزاح تلك الاقنعة إلى القصص القرآني أو الأسطوري ومداياته المعرفية، وهو في واقع الحال «محاولات لتجفيف الغنائية» دون أن يكون استبعادا تامًّا لها، لأن الغنائية تمثل قيمة فنية هامة في النص الشعري على التحديد، ليستطيل السطر الشعري في موقع اخر عند امنيعم في تدوير تتابع فيه حالة درامية دامية ومؤلمة، حالة مغلفة بالخسران والتيه والحيرة، حوارية بين انتباهتين غمضة عين «برقية خاطفة» وأفق تراجيدي بعيد.

يقدم «هسيس الرغبة» كما يقول العامري مفردتين أساسيتين هما «آدم وحواء» كقناع يقف خلفهما الشاعر في تحميل رؤاه تجاه السؤال الوجودي البعيد، فنجد مجموعة من الحركات تتمثل في المرايا كمرآة حواء ومرايا آدم وكذلك حوارية آدم وحواء بعد الخروج ونرى ذلك في حزن الغريبة وحزن الغريب، ففي العنوان الأول الذي شكل مفتتحا لطبيعة المجموعة الشعرية» هسيس الرغبة» جاء المفتتح ب حوارية آدم وحواء بعد الخروج الأخير، في هذه الحوارية نستطيع أن نتحسس تلك الحكاية الدينية عبر فكرتين الأولى إختبار المحرم وتداعيات ذلك الاختبار الذي قادهما إلى الخروج من النعيم، «الجنة».

ويؤكد العامري ان تلك النصوص تبقى تدور في مناخات القرآنية والصوفية ببعدهما الانساني بعيدا عن التحافر أو الالتقاء السطحي، بل هي محاكات تنتمي إلى طبيعة ثقافة الشاعر ومرجعياته في ما يخص الصوفية والنصوص المقدسة القديمة، حيث يقول:

جوّابُ أقمارٍ،

وهذا القلبُ يهواك،

يا خالقَ العشقِ من للعشقِ إلاك،

شفّت قلوب العاشقينَ وشفني وجدُ،

يسري بهامي إلى أنوار ملقاك.

من جانبه قال الشاعر والتشكيلي الناقد حسين نشوان: ان الشاعر خلدون امنيعم تطوع ليقول لنا في «هسيس الرغبة» الصادر عن الآن ناشرون وموزعون، أوجاع الوداع الذي يغادر معه الإنسان ملامحه وكينونته ويبقى طوال عمره وهو يبحث عنها وعنه.

ويلخص الشاعر كما يقول نشوان، الرغبة التي تتقد في روحه التي ترى الكون امتدادًا لكينونته وجسده متناصًا مع النص القرآني برشاقة العارف المتصوف، مستعيدا النص الصوفي الذي يؤمن بوحدة الوجود متتبعا خطى ابن عربي والنفري والحلاج في تأملاتهم وأسئلتهم التي بقيت معلقة كنجمة بعيدة تغرينا بضوئها وتتخفى بأسرارها.

ويرى نشوان ان امنيعم يستحضر في مجموعته «هسيس الرغبة» عنصر الطين الذي خلق منه الإنسان، والذي يسعى ويكد في الحياة ليعود إلى أمه الأرض/ التراب، وهو يكابد رحلة الشقاء في الدنيا، ويحاور المرآة التي لا يرى فيها غير صورته حاملًا على كتفيه اللاشيء، رائيًا ما ترك الأسلاف من ظلال تتلاشى ليقف مع ركام ما تركت الحياة بنظرة فلسفية لوجود لا يختلف كثيرا عن وقفته اللحظية/ الوهمية.

وتحضر المرأة في «هسيس الرغبة» برمزية الوجود الكلي للكون الذي يمنح النص شفافية الوجد، ويمنح الوجود توازنه العاطفي في ظل هذا التمزق والانشطار الإنساني الذي يعانيه الكائن في رحلة الانتظار للعدم كما يقول نشوان.

ويرى نشوان ان امنيعم يشتغل في السيرة الشعرية على بناءات ومداميك تتشكل في قصيدة واحدة كنشيد ذاتي أو مونولوج يكون فيه وحيدًا أمام المرآة يناجي نفسه، غير أن وحدته هي التي تتيح له تشوف الكون، وأن يرى ما يريد، مستعيدًا في النص اللعبة التي تنطوي عليها الحياة واحتيالاتها.

وقرأ امنيعم مجموعة من القصائد المنتقاة ومنها «سيرَةُ الغِوايَةِ ـ مرايا آدم»:

«لكنَّهُ قَلبي،

قَلبي يَقينُ الحُزْنِ في الصّلواتِ

والعابِراتُ العابِثاتُ ـ لمَّا ثَقَبْنَ القلبَ يا أَبتي وَلَمْ يَدَعْنَ سُنبلَةً وبابْ

نادَيْتُ في الْمِحْرابْ:

أَبتي، بَغَتِ السّنونُ، وَمَسَّني طَرَبٌ؛

فَامْلأْ جِراري مِنْ نَبيذِكَ،

وَخُذِ الأَسى، خُذْ زهْوَةَ الْقَلْبِ،

وَهاتِ القُبْلةَ الأُولى والذّكرياتِ، وَقُلْ:

«لِلْبيتِ رَبّ، وَازْرَعْ سُفوحَ القَلْبِ حَبّا وحُبّ».