كان الورق في الصين قديما يصنّع عن طريق خلط ألياف القنب مع قطع قماش بالية وشباك صيد قديمة. لكن قبل اختراع الورق كان تدوين الملاحظات أمراً عسيراً. إذ يقال إن رجلا متعلما من بلاط الإمبراطور هان استخدم 3,000 لوحة من الخيزران لكتابة قائمة بالملاحظات السياسية قبل عرضها على الإمبراطور، واستأجر اثنين من أقوى الرجال لحملها.

وفي عام 105 ميلاديا اخترع أحد المسؤولين الحكوميين الورق، عن طريق خلط توليفة عجيبة قوامها القماش ولحاء الشجر والشباك مع بعض الماء لتكوين عجينة ثم فردها في الشمس لتجف. وحظي الاختراع الجديد بإعجاب الإمبراطور، رغم أن الورق لم يستخدم آنذاك إلا لتغليف الأشياء الثمينة.

وفي غضون 650 عاماً ظهرت الطباعة التي مهدت الطريق لظهور الكتب وأوراق اللعب، وسرعان ما اخترعت المناشف الورقية. وتزامن انتشار الورق في الشرق الأوسط، مع العصر الذهبي للإسلام، وأتاح للعلماء تسجيل اكتشافاتهم العلمية غير المسبوقة التي أسهمت في الارتقاء بعلم الفلك والطب والهندسة والأدب والرياضيات.

ولم يصل الورق إلى أوروبا إلا بعد ألف عام أو يزيد، وكان الأوروبيون يستخدمون جلود العجول والماعز والخراف للكتابة عليها. وذُبح نحو 4.2 مليون شاة على الأقل في الفترة ما بين عام 1150 و1850 للحصول على جلدها للكتابة، وكانت تكلفة الجلود المعدة للكتابة باهظة ويقتصر استخدامها على الأثرياء.

لكن انتشار مصانع الورق في أوروبا، رغم تأخره، أسهم في القضاء على الأمية في المنطقة.

واليوم قد يظن البعض أن نجم هذه المادة العجيبة قد بدأ بالأفول في عصر الحواسيب والهواتف المحمولة والكتب الإلكترونية. لكن بالرغم من انخفاض الطلب على الصحف والكتب والورقية، إلا أن صناعة الورق في الواقع تشهد ازدهارا عالميا.

ويستهلك العالم في الوقت الحالي نحو 400 مليون طن من الورق سنويا لتصنيع احتياجاتنا الأساسية من النقود وعلب الورق المقوى والإيصالات وأكواب القهوة وأوراق تدوين الملاحظات وورق الزبدة والورق المقوى المستخدم في حفظ البيض وبطاقات المعايدة والمصاصات وأوراق التغليف. وربما أوشكنا على الاستغناء عن النقود الورقية، لكن العالم بلا ورق قد يبدو مستحيلا.

بل في الواقع، زاد الطلب على الورق في جميع أنحاء العالم، بوصفه بديلا للبلاستيك الذي يستخدم لمرة واحدة بعد أن بدأت الدول تحظر استخدامه أو تخفض إنتاجه. وأعلنت متاجر عديدة في السنوات القليلة الماضية اعتزامها استخدام الأكياس الورقية بدلا من البلاسيكية، وظهرت أيضا أوراق تغليف للحلوى وأطباق الأطعمة الجاهزة وحتى قوارير للمياه مصنوعة من الورق.

لكن إلى أي مدى يمكن اعتبار الورق صديقا للبيئة؟ وما هي الخطوات التي ينبغي اتخاذها للحد من آثار تصنيع الورق على البيئة؟

في البداية، يصنع الورق من الخشب اللين المستخرج من الأشجار الصنوبرية، وكذلك الأخشاب الصلدة المستخرجة من بعض الأشجار مثل شجر الكافور. وتبدأ عملية التصنيع بإزالة أكبر قدر ممكن من مادة الليجنين التي تعمل كصمغ طبيعي لربط ألياف السليولوز ببعضها، وبذلك تتفكك الألياف ويعاد تشكيلها بسهولة.

وبعدها تأتي عملية تحضير عجينة الورق، التي تتضمن تكسير الخشب إلى رقائق ونقعها في حوض مملوء بهيدروكسيد الصوديوم وكبريتيد الصوديوم، وكلاهما مادتان قلويتان فعالتان في إذابة الليجنين في الخشب، لكنهما أيضا قد تسببان حروقا وتذيبان الألومنيوم والصخور. وفي المقابل إذا ترك الليجنين سيكون الورق الناتج منخفض الجودة. وعند هذه المرحلة، يكون لون عجينة الورق بنيا بسبب بقايا مادة اللجنين، ولذا يضاف ثاني أكسيد الكلور لتبييض عجينة الورق، وبعدها توضع العجينة على غرابيل متحركة وتجفف وتُضغط ليُستخرج منها الماء.

وتتطلب كل مرحلة من مراحل تصنيع الورق استخدام كميات كبيرة من المياه، إذ يحتاج تصنيع ورقة واحدة إلى ما يتراوح بين لترين و13 لترا من المياه. واستهلكت صناعة الورق في الصين وحدها 3.35 مليار طن من الماء في عام 2014.

وبعد انتهاء عمليات الخلط والتبييض، تصبح المياه ملوثة بالقلويات والكلور والمواد العضوية، ونظرا لصعوبة معالجتها من الناحية التقنية، تتخلص بعض مصانع الورق منها دون معالجة عن طريق تصريفها في البحار ومصادر المياه العذبة، حيث تسمم الكائنات البحرية والحياة البرية.

ويستهلك تصنيع الورق أيضا كميات هائلة من الطاقة، إذ أشارت دراسة إلى أن صناعة الورق عالميا تستهلك 6.4 إكساجول من الطاقة سنويا، وبهذا يسهم الورق بنحو اثنين في المئة في إجمالي الانبعاثات العالمية من ثاني أكسيد الكربون.

وأخيرا، تزيد صناعة الورق من وتيرة قطع الأشجار. إذ تتسبب صناعة الورق في إزالة 100 مليون هكتار من الغابات، ما يعادل مساحة مصر، سنويا. وفي بعض المناطق تسببت صناعة الورق في تدمير الغابات تماما ومن ثم زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، الذي كانت تمتصه الأشجار قبل قطعها وأسهمت في تدهور التنوع الحيوي.

أوراق شجر جديدة

اتخذت مصانع الورق خطوات جدية للحد من آثار تصنيع الورق على البيئة. إذ بدأت بعض مصانع الورق، مثل «ماكينلي» و«نيو مكسيكو» في تنظيف المياه المستخدمة في تصنيع الورق وإعادة تدويرها بالكامل.

ويقول سيدهارث تشاترجي، خبير في هندسة الورق من كلية العلوم البيئية والغابات بجامعة نيويورك، إن بعض المصانع في أوروبا استغنت عن ثاني أكسيد الكلور السام واستخدمت في المقابل الأوزون لتبييض الورق، كونه أقل تأثيرا على البيئة. لكنه يشير إلى أن عملية تبييض الورق باهظة للغاية، فضلا عن أنها مصدر الملوثات الخطيرة في عملية التصنيع. وقد يكون من الأفضل استخدام الورق البني، بدلا من الأبيض الناصع، للحد من آثار تصنيع الورق على البيئة.

وانخفض أيضا حجم استهلاك مصانع الورق للطاقة. فعلى الرغم من زيادة انتاج الورق بنسبة 25 في المئة في عام 2017 مقارنة بعام 2000. إلا أن كمية الطاقة التي استهلكتها مصانع الورق لم تزد إلا بنسبة خمسة في المئة فقط، وقد يرجع ذلك إلى زيادة عمليات إعادة التدوير.

وفي أوروبا، تنتج مصانع الورق نحو نصف الطاقة التي تستهلكها عن طريق حرق المخلفات الصلبة، التي تتكون من بقايا السليولوز والليجنين.

أما عن الأشجار، فإن صناعة الورق قد تسهم في بعض المناطق في زيادة الأشجار. إذ وضعت الكثير من الشركات الآن سياسات تلزمها بزراعة أشجار عديدة مكان كل شجرة تقتلعها. ويزرع قطاع الخشب في الولايات المتحدة في الوقت الحالي 1.7 مليون شجرة يوميا.

ولعل زيادة إعادة التدوير أسهمت في الحد من تأثير صناعة الورق على البيئة. إذ تشير الإحصاءات إلى أن كل طن يعاد تدويره من الورق، يسهم في إنقاذ 17 شجرة وتوفير 380 غالون من الزيت و2.29 متر مكعب من النفايات و4,000 كيلوواط من الطاقة و7,000 غالون من الماء.

وزاد الطلب على المنتجات المعاد تدويرها في العقود القليلة الماضية، إذ بلغ حجم التجارة في المنتجات المعاد تدويرها 139 مليار دولار في الولايات المتحدة وحدها. وتحقق دول الاتحاد الأوروبي أعلى معدلات إعادة التدوير في العالم، وقد أسهمت إيطاليا بالنصيب الأكبر من معدلات إعادة تدوير النفايات في أوروبا. فعلى الرغم من أن إيطاليا اشتهرت بأنها تحتضن «مثلث الموت» وهو أكبر مكب نفايات غير شرعي في أوروبا، إلا أنها تحتل الصدارة عالميا في مجال إعادة تدوير النفايات. ويقول سايمون إلين، المدير التنفيذي لجمعية إعادة التدوير، إن الورق المستعمل في إيطاليا أصبح سلعة وليس نفايات. إذ تمثل النفايات الورقية 57 في المئة من المواد الخام التي تستخدمها المصانع في إيطاليا لتصنيع الورق.

لكن في عام 2018، أرسلت الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا ملايين الأطنان من النفايات إلى الخارج، لإعادة تدويرها–نظريا- وسط مخاوف من أن تستقر في مكبات النفايات.

وفرضت الصين، التي كانت أبرز وجهات النفايات الورقية، حظرا مؤخرا على النفايات المستوردة. وليس من الواضح بعد كيف سيتخلص العالم من أطنان النفايات المتراكمة، ولا سيما إذ حذت الدول الآسيوية حذو الصين.

وقد تحول بُقع الورق أيضا دون إعادة تدويره، فقد تؤدي أقل بقعة دهون على المنتجات الورقية إلى رفض إعادة تدويرها، كما حدث مع 338,000 طن من النفايات القابلة لإعادة التدوير في المملكة المتحدة عام 2015.

وابتكرت شركة «فيغاوير» حاويات أطعمة وأدوات مائدة يمكن تحويلها إلى سماد طبيعي. إذ صممت هذه الحاويات والأغلفة المصنوعة من الورق بحيث تتحلل في غضون ثلاثة أشهر في آلات تحويل بقايا الطعام إلى سماد عضوي.

ولاقت في الآونة الأخيرة فكرة الورق الذي يمكن تحويله إلى سماد عضوي رواجا كبيرا، وطرحت بعض الشركات أغلفة حلوى قابلة للتحلل الحيوي في غضون أسابيع، وأوراق محشوة بالبذور التي تنبت بمجرد ما تبتل الورقة بالماء.

من الواضح أن الورق من المستحيل أن يختفي من حياتنا، بل ربما وصل الورق إلى عصره الذهبي، في الوقت الذي بات فيه العالم في أمس الحاجة لبدائل للبلاستيك.

وقد تساعدنا تقنيات الهندسة الوراثية في الحصول على أشجار ذات أخشاب لينة يسهل خلطها للحد من الموارد التي تستهلكها صناعة الورق. ويعكف العلماء الآن على تحويل عجينة الورق إلى مادة جديدة تمتلك نفس خصائص البلاستيك، لكنها ليست مضرة للبيئة.

(وكالات)