وسط منظومة العمل العربي المتعثرة ومتاعبها ظل جلالة الملك متمسكاً بضرورة التشاور المستمر والتواصل البناء مع الأشقاء العرب جميعاً، إلا أن العلاقة الثنائية مع مصر تمتلك طبيعة خاصة في مواضيع الأمن القومي العربي؛ وعندما يتعلق الأمر بوحدة التراب السوري فإن الثنائية الأردنية–المصرية تتصدر الساحة العربية لعوامل تتعلق بالعقيدة الوطنية في البلدين والخبرة التاريخية تجاه سوريا بوصفها عمقاً حضارياً في حالة الأردن ورديفاً استراتيجياً بالنسبة لمصر.

أتت الزيارة بكامل بروتوكولاتها وتشريفاتها لتكون رسالة لتركيا بأن تقدمها تجاه الأراضي السورية يتجاوز ما يمكن مناقشته هاتفياً أو من خلال المسؤولين في البلدين، وحضور الملك في القاهرة يدلل على التقاطة عميقة تبدي مدى فطنة جلالته لمعطيات السياسة الدولية وتعقيداتها، حيث تُجنب هذه الزيارة مصر جزءاً كبيراً من الحرج وتفوت على المتربصين فرصة خلط الأوراق من خلال تشتيت الموقف المصري ودمج دعوة القاهرة لتحرك عربي عاجل في مواجهة التصرفات التركية في المناكفات التقليدية والمستمرة بين مصر وتركيا.

مواقف الأردن الواضحة وقدرة الملك على وضع إصبعه بجرأة على مواطن الاختلال والحديث بوضوح وصراحة عندما يتعلق الأمر بسلامة التراب السوري، وثقافته التاريخية التي تشكلت في مدرسة الراحل الكبير الحسين، كلها عوامل تدفعه لصدارة التحرك العربي المأمول في منعطف تاريخي حاسم ووجود مزاج تركي لتحقيق أمر واقع في المنطقة يتزامن مع مئوية اتفاقية لوزان، وعلى الرغم من عدم صحة تقييد الاتفاقية التي شملت ترسيم حدود تركيا مع سوريا إلا أن الشعب التركي يبدو بأمس الحاجة إلى انتصار معنوي ترفض المجموعة العربية أن يأتي على حساب سوريا وشعبها.

الزيارة الملكية لمصر تعطي الأردن فرصة للتحرك الدبلوماسي من أجل تخفيف التوتر ومحاولة استدراك الاحتقان على الأرض السورية، وهو الدور الذي يبدو صعباً على الأشقاء في مصر والسعودية نتيجة التراشقات القائمة مع تركيا، وسيحظى الدور الأردني للمرة الأولى منذ سنوات طويلة بإسناد عربي واسع، ونثق بأن جلالة الملك يدرك الصعوبات الماثلة أمامه حالياً والتي قد تتولد في المستقبل القريب، ومع ذلك يتقدم لهذا الدور القومي العروبي الذي يظهر جانباً من شخصية الملك وأبعادها ومبادئها بصورة عملية.

سيأتي الوقت الذي يقرأ فيه العرب الأثر الملكي في هذه المواقف ليتأملوا في مدرسته في القيادة التي تعبر بالأردن بإمكانياته المحدودة لصدارة الصورة إذا ما القوم جد جدهم..