بالأمس وأنا أخرج من منزلي في الصباح، لفت إنتباهي على الرصيف المقابل وبانزواء، شابان (صبيّان) يجلسان على الرصيف. يستندان على سور المنزل, يحتضنان حقيبتي كتبهما, كلّ يمسّج...يقلّب هاتفه الخلوي بلا حديث. بل بصمت كبير.

أنا قد أصبحت (حِشَري) من باب حُبّ الاستطلاع, للأمور الشّاذّة...وفقط. تعاظمت هذه الخصلة(السّيئة)منذ أصبحت أكتب وتنشر لي الصّحف، (كنت أكتب قبلها منذ الصغر وتنشر لي...أدراجي). كان منظرهما لافتًا. تقدّمت نحوهما. شابّان صغيران صبيّان في سنّ المراهقة, سنّ (التين) على لغة ربعنا هذه الأيام، ما شاء الله. تحية الصّباح وبعد: (قعدتكم جميلة فيها البساطة والتواضع)!!.- سارعا بالنهوض يظنّان أنني أحتجّ على جلوسهما بين المنازل-. نفيت ذلك، غزلت معهما على الناعم.

أحدهما في مرحلة الثانوية العامة!!، والآخر في الأوّل الثانوي. تأخّرا عن المدرسة فلم يسمح لهما بالدخول (هكذا ودون مقدّمات!) كمن يستبق السّؤال. ولماذا تتأخّرون؟!...لأننا لا نرغب بارتداء الزّي المدرسي، هو لا يليق بنا. هل سبق ونقلتما وجهة نظركما إلى المدرسة؟...نعم, ولم يهتمّ أحد بذلك. أعجب بقوّة شخصيّتكما (خاصّة الكبير) والتعبير عن رأيكما لكن هذا ليس حلًا، فالمدرسة لكم؛ للطلاب وجدت لا لأحد آخر، ولا يجب الإنفضاض عنها لهذا السبب أو ذاك، خاصة من في مرحلة الثانوية العامة. ثمّ إنّ معلّميكم سادة أفاضل متطوّرون في الأداء ومعرفة الحقوق ويحترمونها بل ويمارسونها، انظروا أداءهم في إضرابهم.

أستمررت في محاضرتي كأنني أعرفهما منذ إبتدائي:...استمرّا بالحضور وتابعا احتجاجاتكما بأسلوب حضاري...لا أحد يستمع، ثمّ؛ أضاعونا (طنّشونا) تعدّوا على حقوقنا وأثاروا فينا عدم الإتّزان والراحة التي تمكّننا من متابعة دروسنا من خلال مدّ ساعات الدوام حتى الثالثة عصرًا بدل الواحدة والنصف، ومن خلال ضيق الوقت حتى العطلة الشّتوية، إضافة إلى أن البعض لا يعاملنا كالرّجال فقد يهان أحدنا (أي أحد) أن أخطأ وأمام زملائه فتهتزّ شخصيته وينزوي, كذلك قد يتمّ مجاملة زميل على حساب آخر (أنقل حرفيا ما قالا, ولا يعني هذا أنّني أسلّم به). ثمّ؛ نحن ضعنا بين...حانا ومانا...حلّوا مشاكلهم على حسابنا ولم يحسب لنا حساب في المعركة الأخيرة.

إنتهى الحوار. تمنيت لمن يسعى أن يكون طبيبًا؛ النّجاح في مسعاه, ولمن يرغب أن يكون مهندسًا زراعيًا يساعد أخيه الطبيب البيطري ويعملان معًا؛ تحقيق ذلك، مع رجائي لهما أن يضعا النّجاح في مقدّمة اهتماماتهما أوّلًا والإستمرار في إيصال وجهات نظرهما ليس بالهروب من المدرسة أو الإنكفاء عنها، بل بالحضور و(دون مسؤوليّة عمّا أقول)... ممارسة ما تعلّموه من السادة معلّميهم في الفترة الأخيرة (مع جزيل الأحترام والتّقدير)...إذا لزم الأمر...(كما تدين تُدان).

انتهى الحوار. وموضوع إضرابهما أو انسيابهما عن المدرسة مهما كانت الأسباب, ما زال يؤرقني بشدّة. هما على أعتاب الرّجولة وشواربهما قد بدأت تخطّ طريقها على طريق مستقبلنا نحن مستقبل الوطن ويناقشا بجدّيّة ورجولة لا تخلو من طفوليّة بريئة. أنا لن أدّعي أن ما رأيته قد يكون حالات فردية أو أكثر ولكنه يدقّ جرس الإنذار!!.. آمل أن تصل وجهة نظر طلّابنا والكثير ممّن لم يستطيعوا التعبير عنها لفظيًا لكنني لقطته بحكم خبرتي السابقة... كطالب في ما يتعلّق ببعض المناهج والأداء وأمور أخرى يستحسن أن يسمعها أولو الأمر...منهم..منّا..وما الفرق!، في مدارس نجح منها أحد أو (لم ينجح منها...أحد) وأنّ لا يتحقّق المثل القائل (في الصيف ضيّعنا اللبن وتلاميذنا).