سخّنت العملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا الأزمة من جديد وأعادت المشهد السوري الى صدارة الأحداث، لتخلط الاوراق وتُعقدها، ونحتاج لاعادة قراءة المشهد لمعرفة خيوطه وفهمه جيداً.

فالولايات المتحدة سلّحت ودعمت قوات سوريا الديمقراطية الكردية لخوض المعارك ضد نظام الاسد وقوات داعش المتطرفة في شرق الفرات، وتصنف تركيا قوات سوريا الديمقراطية على لائحة الارهاب، وتعتبرها هدفاً رئيسياً في عمليتها العسكرية الوشيكة.

الولايات المتحدة سحبت قواتها من المنطقة «شرق الفرات» بحجة الحفاظ على سلامتها من التدخل العسكري التركي، تاركة حليفتها «سوريا الديمقراطية» لمواجهة مصيرها، جاء ذلك بعد مكالمة هاتفية جماعية بين قيادات واشنطن وأنقرة لم يكشف تفاصيلها.

اكتفى، الرئيس الاميركي دونالد ترمب، بتغريدات على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، ما بين النصح والتهديد لتركيا، من تجاوزها الخطوط الحمرا، مع ارسال تطمينات لحلفائه الاكراد بوصفهم «انهم مقاتلون رائعون» وستستمر واشنطن بدعمهم، ويبدو انها لرفع العتب، خاصة قوله ان: «الولايات المتحدة يجب ان تنسحب من الحروب العبثية في المنطقة»، وقد تمتد الى سحب قواته من العراق والخليج العربي وهذه قصة أخرى.

الموقف الروسي، جاء صامتاً، دون ضجة، وانما اكتفى ببيان على لسان المتحدث باسم الكرملين عقب اجتماع للرئيس فلادمير بوتين مع أعضاء مجلس الأمن القومي الروسي بالقول: «جرى التأكيد على أهمية تفادي الجميع في هذه المرحلة، أي عمل من شأنه أن يعرقل الحل السلمي بسوريا».

أما المعارضة السورية المتحالفة مع أنقرة، فهي تعتبر العملية تحريراً للاراضي السورية، من نظام الاسد وتستعد لتشكيل نواة دولة في الشمال، ما يعتبر العملية – وفق مخططات المعارضة – بداية تقسيم سوريا الى دويلات صغيرة، وبرعاية تركية، وان اختلفت الاهداف المعلنة.

فالاتراك أعلنوا أن العملية تستهدف المسلحين من «وحدات حماية الشعب» الكردية، التي تعتبرها أنقرة تنظيما إرهابيا وذراعا لحزب العمال الكردستاني، وانشاء منطقة آمنة لعودة حوالي 3 ملايين لاجئ سوري الى وطنهم.

أما النظام السوري فقد نفى وجود تفاهمات مع تركيا لاطلاق يدها في شمال شرق الفرات، من اجل غض النظر لاستعادة ادلب، واعتبر انه قادر على استعادة ما تبقى من الاراضي السورية، وانه سيتصدى للقوات التركية التي اعتبرها «غازية».

ستتضح ملامح المشهد خلال الايام المقبلة، وتكشف عما اذا كان هناك اتفاق خفي بين الاطراف المتصارعة، او ان العملية وضعت مصيدة للاتراك، خاصة انها ستتعامل مع ملايين السكان المتواجدين على الارض والعائدين من اللاجئين بالاضافة الى الاف المعتقلين في السجون من تنظيم داعش الارهابي، وهذا الامر يحتاج الى مسؤولية وجهد كبير وكلفة مالية باهظة..!

فالمشهد معقد، ويبقى الضحية الشعب السوري أولاً، والامة العربية ثانياً التي تتقاسم النفوذ فيها الدول الكبرى، رغم وصولنا الى القرن الحادي والعشرين، نتيجة اغراقها في ظلمات الديكتاتورية والفساد والافساد.