عمان- إبراهيم السواعير

اختار المخرج رمضان الفيومي عنوان فيلمه الذي يعرض مساء الخميس في مهرجان الأردن الدولي للأفلام، ليحمل فكرة الانسجام في الحياة التي يجب أن تكون، كما ينادي، "هارموني" على كلّ المستويات التي يلعب الإنسان فيها الدور الأكبر.

ويشرح الفيومي لـ"الرأي" قصّة الفيلم، الذي أنتجته وزارة الثقافة مخاضاً لورشة من ورشاتها الثلاثة، ويروي حكاية مجموعة من الشباب الشعبيين الذين أحبّوا الموسيقى وعشقوها، ويجمعهم مكان شعبي فقير في جبل الجوفة، لافتاً إلى اختيار أبراج العبدلي مقابلاً للحي الشعبي بكل أبعاده، وهي مقصودة للدلالة على مشروعيّة الحلم في أيّ منطقة أو بيئة، غنيّةً كانت أم فقيرة، وأنّه ليس بالضرورة أن ينتج الحيّ الفقير منحرفين أو مخرجات سلبية من دون أهداف، فكان القتال كلّه لتحقيق الحلم.

ويتابع الفيومي، الذي سبق وأن شارك في دورة ماضية لمهرجان الفيلم الأردني بفيلم "نبراس" من بطولة الفنانة سهير فهد، أنّ شباب الفيلم جمعوا مصروفهم وقصدوا نجار الحارة ليصنع لهم آلات موسيقيّة بدائيّة تلبي شيئاً من طموحهم، كالعود والطبلة وغيرها، وكلّهم أمل بأن يلتقوا بالمايسترو سليم الذي أنهكه المرض وجعله في عزلة عن فنّه الحقيقي، فهم يجتمعون كلّ مرّة ليقنعوا الفنان بأن يعود إلى فنّه فيعلمهم الموسيقى، والنتيجة أنّ حالات كثيرة من الصّد كان يواجههم بها، بل ويطلب منهم أن يتخلّوا عن الموسيقى التي تتفوق عليها مهنة أيّ مهنة شعبية كالميكانيكي وغيرها من المهن العمليّة التي تفيدهم بدلاً من ضياعهم في خضم هذا الفن الذي بات يسبب له المقت والتعقيد، لتدخل الجارة التي تقوم بدورها الفنانة سهير فهد شاهدةً على ما حدث وشريكةً في محاولة ثنيهم عن هذا الحلم الغريب، بل وتأنيبهم، مثلما تحاور الفنان برجاء تلبية حلمهم بتعليمهم الموسيقى ليكونوا فنانين، فيردّها الفنان سليم بأنّهم إن أصبحوا كذلك فبالتأكيد وعن خبرة، سيصبحوا مثله تماماً "مقموعين".

وبحسب الفيومي، يحاول الفيلم أن يركّز على جانبين لدى الفنان النخبوي سليم: الأول مظلم وهو الشعور بالعزلة والقمع والمرض "الربو" لدرجة أنّه بات يكره الموسيقى من خلال ممارسة التدخين الذي يزيد من سعاله واستنشاقه الهواء بجهاز الربو، والجانب الآخر المضيء وهو حبّه الأصيل لهذا الفن الذي أصبح محترفاً فيه.

ويوضح أنّ الإضاءة تلعب دوراً في تسليطها على هذين الجانبين، في تأثيث المكان بكرسي متحرّك وبندول ساعة متحرك ووجه بانتظار الموت في كلّ دقّة من الساعة، فحياته فراغ، وكلّ مرّة يستيقظ على ضربات نشاز من الشباب الذين ينادونه فلا يستجيب.

كما بدت المرآة بأكثر من شرخ، ولذلك ظهر وجهه المكسور بها ليعكس سوداويّته وتمزقه وتشظيه، في قرار بأنّه لا يريد منهم أن يصبحوا في مثل حالته في يأسه من الفن وزهده بمنافعها، غير أنّ هؤلاء الشباب وبالرغم من قسوة الجارة وعدم استجابة الفنان، يظل الطموح مشتعلاً فيهم، بل ويتزايد عقب كلّ لحظة صد.

يتابع الفيومي: وفي إحدى المرّات التي ينزعج لها، يضطر الفنان للنزول إليهم لتأنيبهم، فيسقط، فيحملونه إلى البيت الذي يتفاجأون بأنّ صندوقاً مغلقاً فيه وفوقه صورة المايسترو سليم أيّام الشباب، وحتى مع ذلك يطردهم شرّ طردة، وسط تأنيب الجارة التي تصرخ في وجوههم بأنّ "الموسيقى مش حياة!".

ويواصل الفيومي يروي الحكاية، بأنّهم ومع كلّ ذلك يبقى حلمهم متأججاً، ويجري حوار يحمل هذا الحلم، حيث سؤال أحدهم للآخر: ألهذه الدرجة حلمك كبير؟!.. فيجيب: هل ترى هذه الأبراج، حلمي أكبر منها!.. وفي ذلك كما يقول مفارقة المكان والحلم المنكسر بين البيئات.

كما أنّ جسراً قديماً في منطقة الجوفة يحمل حوارهم أيضاً، وهو الجسر الذي انهار عام 1979، فتكون مقاربة الحلم بأن يؤكد أحد الشباب أنّ الحلم بات تماماً مثل هذا الجسر الذي هدمه السيل!.. بينما تتردد أصوات بأنّ الحلم يجب أن يكون أعلى وأكبر من أبراج عمان التي يمكن مشاهدتها بوضوح من جبل الجوفة.

وتستمرّ حالة تمرّد الشباب على أيّ يأس يمكن أن يثنيهم عن تحقيق الحلم، فيبدأون بالطرق بشدّة على باب الفنان وبطريقة هستيرية ليخرج إليهم سليم، فيما الجارة توالي عملية سكب الماء على رؤوسهم لتفرّقهم بعد كلّ هذا الحلم الذي لا يمكن أن يتحقق.

وفي غمرة ذلك، يخرج إليهم الفنان وبإشارة واحدة منه يصعدوا معه، فيفتح الصندوق القديم الذي دفن فيه العود، ويبدأ يعلّمهم الموسيقى على آلاتهم البسيطة، ليكون الانسجام على أرض الحارة والأحياء الشعبية وفي الأسواق بكلّ مهنها واهتمامات أصحابها قبل أن يكون على المسرح، فينقل لهم اللحن الذي تمتلئ به ذاكرته البعيدة، إذ يدير الشباب في منطقة الجوفة ظهورهم إلى أبراج العبدلي وأعينهم نحوّ الحيّ الفقير، غير مهتمين إلا بالانسجام الذي انبنت عليه ثيمة العمل من قبل.

وحول القصّة التي قد تبدو عاديّةً، يذكّر الفيومي برسائل العمل في أنّ الفنان سليم الذي يعلّم الشباب الموسيقى أخيراً، تتغيّر شخصيّته بالنظر إلى مرآة غير لا تتكسّر فيها صورته، فلأوّل مرّة يلبس بدلته الموسيقية القديمة التي كان يرتديها وينزل إليهم، كما أنّه ينزل إليهم من دون عصا، فبعد اليوم سيتوكأ على عصا جديدة هي فنّه وإبداعه الذي يعلمه الناشئة فيستمر الفن.

وعن مشاركة الفنان سهير فهد معه للمرة الثانية، يوضّح الفيومي بأنّه يعتزّ بمشاركتها ويسعده أن تكون حاضرةً في كلّ ما يكتبه ويخرجه، وأنّ دورها كان يتوزّع بين التقريع والإقناع والمواجهة، وفي النهاية هي تحمل الفرح كما يحمله الفنان والشباب وأهل الحارة.

وعن حوارات الشباب وهل هم من الوسط الفني أم من الشباب الذين يحتاجون أشواطاً كثيرة في عالم الفن، يؤكّد الفيومي أنّهم شباب يقفون أمام الكاميرا لأول مرّة، وأنّ حواراتهم كانت بسيطة وعفوية وغير مصطنعة، متوقّعاً أن يخرج منهم فنانون يحبّون الفن، خصوصاً وأنّهم كما يقول "طاروا من الفرح" حينما شاهدوا أنفسهم يمثّلون.

وعن بطل العمل الفنان بكر قباني الذي يمثّل دور الفنان سليم، يقول الفيومي إنّه العمود الفقري في الفيلم، وأنّه أبدع في أن يحمل الأبعاد النفسيّة والإنسانيّة المعقّدة، ولذلك فهو يثري العمل بشخصيّته العظيمة والكاريزما المدهشة له كونه من رواد الفن والإبداع والمسرح والدراما الأردنيّة.

ويعرب الفيومي عن شكره للموسيقي المبدع عامر محمد الذي ظلّ مواظباً في منطقة التصوير، وأصرّ أن يرشد هؤلاء الشباب في كيفية العزف على الآلة حتى تتناغم مع اللحن الذي يقوم بإعداده.

وعن فريق العمل من الفنيين، يقول الفيومي إنّه لم يختر فريقاً محترفاً للتصوير، وإنما شباب هواة كانوا زملاء له في جامعة عمان الأهليّة، وهم يقومون بالتصوير الاحترافي لأول مرّة، ممتنّاً لصديقه هشام غيث من منطقة الجوفة الذي كان مرشداً أميناً وعارفاً بدقّة بمكان التصوير وجغرافيّة عمان.

كما يعرب الفيومي عن شكره وتقديره لزميله في المركز الثقافي الملكي المخرج إسحق ياسين الذي أهداه بوستر الفيلم إيماناً بقيمة الفيلم وضرورة المشاركة.

وحول ورشة وزارة الثقافة، يؤكّد الفيومي أنّ جهوداً إبداعيّة كانت مهّةً وحيويّةً للعمل الفني تعود إلى أعضاء اللجنة الدكتور محمد البطوش ورولا حجّة، فقد كان لهما الدور الكبير في إثراء العمل.

ويروي الفيومي آليّة تنفيذ الفيلم بأنّ لجنة وزارة الثقافة الفنيّة القائمة على ورشات الأفلام، استصفت أفكاراً ثلاثة من عدد كبير من الأفكار المقدّمة، موضّحاً أنّ اللجنة طلبت سيناريو لمرة، وثانية، وثالثة، ورابعة، وحتى لمرة عاشرة، لتقتنع بجدوى العمل أخيراً وبمشاهده المختزلة لتناسب الفكرة، وذلك ما يعتبره الفيومي نقلة نوعيّة كبيرة له ولزملائه المشاركين عبر ورشات الفيلم الأردني في وزارة الثقافة.

ويثمّن الفيومي عالياً لفرقة طقوس المسرحيّة احتضانها وإشرافها على العمل، خصوصاً بعد إشرافهم على عمله الأول في المهرجان "نبراس".

وأخيراً يثق الفيومي بذوق المشاهد ومتلقي الفيلم ويراهن على الإيمان بفكرة العمل، معتقداً أنّ لكلٍّ أسلوبه الخاص وأنّ مساحات التأويل في الصورة والصمت والحوار وقطعات الفيلم، تختلف بالتأكيد من فيلم لآخر، معرباً عن تقديره لمدير المهرجان الفنان عبدالكريم الجراح ولوزارة الثقافة دعمها لقطاع الفن والفنانين في أكثر من مجال.