«إسرائيل» لم تعد دولة علمانية كما أراد لها «الآباء المؤسسون»! ومن يتابع مجتمعها اليوم يلحظ التشابه مع مجتمعات عربية شهدت تحولات دينية متطرفة. ففي إسرائيل، مقابل «داعش الإسلامية» عندنا، هناك «تدفيع الثمن» اليهودية عندهم! وفي الوقت الذي تعد «إسرائيل» نفسها دولة ديمقراطية ومدنية، فإن هناك حضورا كبيرا ومتناميا للعقيدة الدينية، مع تزايد ملحوظ لسلسلة تصريحات يدلي بها حاخامات معروفون ووزراء تطالب بفرض القانون الديني اليهودي، وبالذات بعد تغولهم في مؤسسات الدولة، فبات ملموسا الحضور الكبير للحاخامات وتأثيرهم على المجتمع الإسرائيلي. ثم أصبح العامل الديني هو المقوم الأساس لما أسمته الحركة الصهيونية «القومية اليهودية» في «إسرائيل». ونلحظ أنه في «إسرائيل» دون غيرها، يلعب الدين، بحكم طابع العلاقة البنيوية القائمة مع «القومية»، دورا أهم بكثير من الدور الذي لعبه الدين في أي مكان آخر.

رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتانياهو) تطغى انتهازيته في التعامل مع الأحزاب الدينية اليمينية، على اختلاف توجهاتها الدينية والسياسية، لتحقيق مصالحه في صراعه للخروج من أزمة محاكمته بالفساد عبر تشكيل حكومة يترأسها. وهذه الانتهازية ألقت به وبحزبه العلماني «الليكود» في حضن الأحزاب والقوى الدينية المتشددة إذ ساعدها على النمو عبر منحها امتيازات خاصة. وبحكم هذه الامتيازات، والتكاثر السكاني لهذه القوى، تتصاعد قوتها ورائحة عنصريتها. وبالمقابل، تدرك هذه الأحزاب والقوى الدينية المتطرفة، ذات الحجم الصغير في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، أن اتحادها مع (نتانياهو) سيبقيها في المشهد السياسي وبالتالي المحافظة على كل امتيازاتها، ودورها ومكانتها في «إسرائيل». وما يخيف العلمانيين والليبراليين الإسرائيليين كونهم يواجهون أحزابا وقوى منغلقة أيديولوجيا واجتماعيا، تعيش في أحياء خاصة بهم وكأنهم مجتمع قائم بذاته، ولا يعملون نهار السبت، ولا يدفعون الضرائب، ولا يتجندون بالجيش... إلخ.

لقد منح (نتانياهو) هذه الأحزاب والقوى وعلى رأسها جماعات الهيكل المزعوم المتطرفة امتيازات خاصة ضد المسجد الأقصى فرحب «اتحاد منظمات الهيكل» بهذه الامتيازات واعتبرها أكبر إنجاز سياسي يحققه منذ 1967، وهو الأمر الذي سيضمن زيادة أعداد اليهود المقتحمين للأقصى ويحسن من سبل وطريقة الاقتحامات. كذلك، مسألة إعفاء طلاب المدارس الدينية اليهودية من الخدمة العسكرية، وعطلة السبت التي تعارض الأحزاب الدينية أي أعمال فيه، وهما جوهر الخلاف بين (نتانياهو) ورئيس حزب «إسرائيل بيتنا» (أفيغدور ليبرمان) حيث لطالما رضخ الأول لإملاءات الأحزاب المتشددة دينيا دون اكتراث بالجمهور العلماني.

يلخص الصحفي والباحث الإسرائيلي (شير هيفير) المسألة برمتها فيقول: «يعرف نتانياهو أنه إذا أجَّج نيران الخلاف الديني، فسيُملي بذلك أجندة المعارضة. فعندما يدلي الحاخامات الأرثوذكس بتصريحاتٍ تعج بالكراهية، مثل الحاخام إيلي سادان الذي قال مؤخراً إن «العلمانية سكينٌ في ظهر الأمة»، سيثيرون بذلك ردود فعل استفزازية من المعارضة، ما يدفع الأحزاب الأرثوذكسية إلى الانضمام إلى معسكر نتانياهو». وهذا ما يسعى (نتانياهو) وراءه.