من أشهر مقولات العرب القديمة أنّ لكلّ مقامٍ مقالاً، وقد تؤخذ هذه القاعدة على عدّة وجوه، منها أنّ لكلّ موقفٍ قولاً يناسبه، فالكلام في حضرة الفرح غير الكلام في حضرة الحزن، ومخاطبة كبار السنّ غير مخاطبة صغار السنّ، ومخاطبة الرجل للمرأة غير مخاطبة الرجل للرجل وغير مخاطبة المرأة للمرأة، وهكذا. ومن الوجوه التي تُحْمَلُ عليها مقولة «لكلّ مقام مقال» أنّ اللغة المستخدمة في مجالس العلم ونوادي الأدب ومنتديات المثقفين غير اللغة المستخدمة في الطرقات والأسواق وأحاديث العامّة ومجالسهم. ولذلك فإنّه يتوقّع من العلماء وأساتذة المدارس والمعاهد والجامعات وأصحاب الرأي والفكر وحملة الأقلام أن تكون اللغة التي يتحدثون بها في مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم ومراكز أبحاثهم وفي مجالسهم وحواراتهم وندواتهم لغةً ترقى إلى مستواهم العلمي والثقافي. ولا أقصد بذلك أن يتقعّروا أو يتحذلقوا في كلامهم، بل أن يكون كلامهم على السليقة مع مراعاة أساسيّات اللغة ممّا لا يسع المتعلّم جهله.

ولئن كان لا يستنكر على العوامّ رفع المنصوب وجرّ المرفوع وغير ذلك من أنواع اللحن اللغوي، فإنّه لا يجوز أن يقبل من المنتسبين لقطاع الثقافة أو ممّن يوصفون بأنّهم مثقّفون أو ممّن يتباهون بعضويّاتهم في الهيئات والجمعيات الثقافية أن يستهينوا باللغة ويستسيغوا الأخطاء الفادحة في القواعد الأساسية في ندواتهم وحواراتهم وقراءاتهم وكتاباتهم، وينطبق هذا القول أيضاً على من يعرّفون أنفسهم بصفات مثل الشاعر والقاصّ والروائي والأديب وكاتب المقال والصحفي والإعلاميّ، فالأخطاء اللغوية لهؤلاء أخطاء معيبة لأنّها تشوّه منطقهم وكتابتهم وتسيء إلى سمعتهم وإنجازهم الثقافي والأدبي والفكري، ولا سيّما إذا تكرر صدورها عنهم، لأنّ تكرار الأخطاء في لغة أيّ منهم دليلٌ على أنّ الاعوجاج متأصّلٌ في ألسنتهم.

إنّ اللغة والثقافة قرينان لا ينبغي لهما أن يفترقا بأيّ حال ولا تحت أيّ ذريعة، فإذا كانت اللغة في أيّ أمّة هي نتاج ثقافتها والمعبّرة عن تلك الثقافة بكلّ تفاصيلها، فإنّها تكون بذلك شرطاً لا يستغنى عنه من شروط الشخص الذي يحمل صفة «مثقف». ولذلك فإنّه لا يليق بالمثقّف أن يقترف آثاماً لغوية في الندوات الثقافية أو في ما يكتبه وينشره، لأنّ الاستخفاف باللغة والاستهانة بقواعدها هو استخفاف بالثقافة والانتماء إليها.

إنّ الاهتمام باللغة هو فاتحة العمل الثقافي، واللغة ركنٌ أساسيٌّ من أركان الثقافة، وإنّ أيّ عملٍ ثقافي لا يبدأ باللغة ولا يعيرها اهتمامه هو عملٌ مبتور.

Salahjarrar@hotmail.com